كنت في الرابعة عشرة من عمري حين انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان في 25 مايو/أيار 2000، بعد 22 عاماً من الاحتلال.
تقول لي صديقة ونحن ننتظر الأخبار عن احتمال غزو بري إسرائيلي للجنوب: "كان ذلك أجمل يوم في حياتي". كثيرون من جيلي يتشاركون هذا الشعور، على الرغم من الانقسام السياسي الحاد في لبنان حول "المقاومة والعداء لإسرائيل وسلاح حزب الله". شكّل ذلك اليوم وعينا، وعلى أساسه بنينا كل فهمنا لما تلاه من أحداث مأساوية في بلادنا.
اجتاحت إسرائيل جنوب لبنان عام 1978 واحتلته، وفي عام 1982 اجتاحت بيروت، ثم انسحبت منها.
تقول لي صديقة لم تنم من صوت القصف وطائرات الاستطلاع فوق بيروت: "مرّ على أهلنا مثل هذه الأيام، وها هي تمر علينا الآن. كأن القصة تعاد نفسها في كل مرة".
في عام 1996، شهدنا "مجزرة قانا الأولى". لا أتذكر احتفالاً مدرسياً لم نرفع فيه ملصقات كتبنا عليها تاريخ الهجوم "18 نيسان"، ورقم القرار الدولي "425" القاضي بانسحاب إسرائيل من الجنوب.
بعد عام 2000، صرنا نحمل بجانب الأعلام اللبنانية ملصقات تحمل تاريخ 25 مايو/أيار، وهو "عيد المقاومة والتحرير" الرسمي في لبنان.
في ذلك اليوم، شاهدنا المعتقلين في سجن الخيام يحطّمون الأبواب والجنازير، والنساء ينثرن الورود ويرقصن في الساحات بمناديلهن الملونة. شاهدنا زحمة السيارات العائدة بأهل الجنوب إلى قراهم.
قبل أيام، رأينا الزحمة ذاتها لسيارات تقود بالاتجاه المعاكس، مع نزوح نحو نصف مليون شخص من الجنوب والبقاع، إلى مناطق أكثر أمناً، بحسب تقديرات الدولة اللبنانية.
كنت في العشرين حين وقعت "مجزرة قانا الثانية" خلال حرب تموز عام 2006. كانت الفضائيات الإخبارية تبث صور أشلاء الأطفال مباشرة. بقيتُ لسنوات طويلة أرى وجه أختي الصغيرة في وجوه أولئك الأطفال الذين انتُشِلت جثثهم من تحت الركام.
في تلك الحرب، نزح أهل الجنوب والضاحية الجنوبية إلى قريتنا في الشمال. أتذكر الوجوم على وجوه كبار السن. لا يحبون ترك بيوتهم. رأيت الفرحة في عيون الناس حين انتهت الحرب. ركبوا سياراتهم وعادوا.
طال القصف الإسرائيلي خلال تلك الحرب المناطق اللبنانية كافة. الجسر الأثري القريب من منطقتي في شمال لبنان قُصِف. استبدلوه بجسر حديدي، وبقي باص الجامعة يقلّنا فوقه لأشهر. أتذكر صوت قرقعة الحديد تحت عجلات السيارات العابرة.
سأصير في التاسعة والثلاثين الشهر المقبل. في طريقي اليوم إلى العمل، رأيت عائلات نازحة في شوارع بيروت. ومرة أخرى، عاد النازحون من الجنوب إلى قريتي الشمالية واستقروا في بيوت قرب بيت أهلي، كما تخبرني أمي. تزور صديقاتها النازحات ويبكين معاً.
أصل إلى المكتب، وأجد على هاتفي رسالة من صديقة فلسطينية أهلها في غزّة. تريد الاطمئنان عليّ. لا أعرف كيف أجيبها.
تقول إسرائيل إنها تضرب مقرات حزب الله. قبل تأسيس الحزب عام 1985، كانت تقول إنها تريد القضاء على خطر المنظمات الفلسطينية الناشطة في لبنان.
يأخذ الانقسام السياسي في لبنان أشكالاً عدّة، لكنه في الجوهر يبقى حول موضوع واحد: لبنانيون يرون "ألا جدوى من مقاومة إسرائيل"، ولبنانيون يرون "أنّ كل الجدوى في المقاومة ضد إسرائيل".
هذا ليس خبراً نتابعه من بعيد على الشاشة، إنها حياتنا وحياة أهلنا. إنها قصة لا نهاية لها.