في الطريق إلى مكتب بي بي سي: خيم وغسيل وأطفال يلعبون, محمد همدر – بي بي سي بيروت
في طريقي إلى مكتب بي بي سي في وسط العاصمة اللبنانية بيروت، يتكرر مشهد النزوح الذي عرفه لبنان خلال حرب 2024. في هذه الجولة الجديدة شهدت المدينة، خلال الأسبوع الماضي، موجتي نزوح جماعي فصلت بينهما أيام قليلة، غادر خلالهما الآلاف منازلهم في الضاحية الجنوبية وقرى الجنوب.
ترك الناس بيوتهم على عجل، بعضهم بملابس النوم، حاملين ما استطاعوا أخذه، بينما علق كثيرون ساعات طويلة في زحمة السير. وفي ظل عدم وجود ملاجىء، افترش الآلاف الطرقات والأرصفة، وركنوا سياراتهم على جوانب الشوارع.
مع بداية موجة النزوح، صادفت امرأة تسأل عاملاً في أحد المطاعم إن كانت أبوابه تبقى مفتوحة حتى ساعة متأخرة.
سألتها عما تحتاجه، فقالت إن عليها تأمين وجبة إفطار لأطفالها الصائمين، وقالت: "خرجنا من منازلنا فجراً ووصلنا إلى هنا ظهراً بسبب الزحمة، وما يزال الأولاد صائمين".
أرشدتها إلى بعض المطاعم القريبة التي تبقى مفتوحة حتى المساء. شكرتني وأضافت من دون أن أسألها: "ما الذي نستطيع فعله؟ هذه حياتنا. ليس أمامنا سوى أن نصبر ونعيش ما كتب لنا".
وفي أحد أحياء شرق بيروت، صادفت امرأة تسأل عن شقة صغيرة للإيجار، قالت إنها ليست نازحة، لكنها تبحث عن مسكن لأصدقاء لها نزحوا من الضاحية الجنوبية، وأضافت أن العثور على شقة بات يبدو مستحيلاً، إذ تتلقى جواباً بالرفض قبل أن تكمل سؤالها.
والبرد قارس هذه الأيام في لبنان، وتنخفض درجات الحرارة بحدة ليلاً. ومع مرور أسبوع على بدء جولة الحرب الجديدة، ازداد عدد الخيم في ساحة الشهداء في وسط المدينة.
كما امتلأت باحة مبنى العازارية في وسط العاصمة بخيم، وثياب معلقة على الحبال، وأطفال يلعبون بين الممرات. يقف رجل ستيني متجهم الوجه أمام المبنى، يدخن سيجارة تحت أشعة الشمس بحثاً عن قليل من الدفء. وقبل أن أبادر إلى الحديث معه، سألني إن كنت من العاملين في إحدى الجمعيات الذين جاؤوا للاطلاع على أوضاعهم.
ومع أن المشهد يبدو مألوفاً: نزوح جماعي، قصف، إنذارات، وتحليق متواصل للطائرات المسيرة في سماء العاصمة، فإن حسابات الناس قد تكون مختلفة هذه المرة.
فالدمار الذي خلفته الجولة السابقة في ضاحية بيروت الجنوبية وفي مناطق من الجنوب كان واسعاً، وما يزال كثير من السكان مهجرين منذ ذلك الحين، فيما تتفاقم أزمة السكن.