خطة لبناء أول مسجد في بلدة يابانية تثير مخاوف من تغير المجتمع

    • Author, كورومي موري
    • Role, مراسل بي بي سي في طوكيو، فوجيساوا
  • Published
  • مدة القراءة: 5 دقائق

يبدو هذا المكان مجرد أرض مغطاة بالعشب، لكنّه سيتحول قريباً إلى موقع أول مسجد في هذه البلدة اليابانية.

تقول نوريكو إيزوميزاوا، المقيمة في بلدة فوجيساوا منذ زمن طويل: "هذا الأمر يُقلقني بشأن كيفية تغير مجتمعنا".

وقد أثارت خطط بناء مسجد في فوجيساوا، وهي بلدة ساحلية هادئة تقع على بُعد ساعة بالسيارة جنوب طوكيو، مشاعر متباينة.

فهناك غضب وخوف، إلى جانب أمل وتقبّل، ما يُبرز المخاوف المتزايدة بشأن الهجرة والتغير الاجتماعي في ظلّ سعي اليابان إلى مواجهة نقص الأيدي العاملة نتيجة انخفاض عدد السكان وارتفاع نسب الشيخوخة.

وعلى الرغم من أن الهجرة لا تزال قضية حساسة سياسياً ومقيدة، إلّا أن اليابان تعتمد بشكل متزايد على العمال الأجانب لشغل الوظائف الشاغرة. وهذا يعني تدفقاً للمهاجرين بثقافات ولغات وأديان وأنماط حياة متنوعة.

لذا، فإن الجدل الذي تشهده بلدات مثل فوجيساوا في مختلف أنحاء البلاد يلامس صميم نظرة اليابان إلى هويتها.

ولا يُعد شعور إيزوميزاوا استثنائياً، بل هي واحدة من مجموعة من سكان فوجيساوا الذين يشعرون بالقلق إزاء تزايد ظهور الجالية المسلمة. وتقول إن النقاشات الحادة حول الهجرة في الولايات المتحدة وأوروبا قد ساهمت أيضاً في زيادة قلقها.

وفي وقت سابق من هذا العام، اندلعت احتجاجات مناهضة للمسجد في محطة القطار المحلية، حيث خرج الآلاف إلى الشوارع اعتراضاً على مشروع بناء المسجد. ويرى البعض أن بناء مسجد أكبر بكثير من ضريح الشنتو الياباني المجاور يُعدّ نوعاً من "الاستخفاف".

كما وردت تقارير عن انتشار خطاب الكراهية والمعلومات المضللة على وسائل التواصل الاجتماعي اليابانية.

وتقول وسائل إعلام محلية إن المساجد تتلقى مكالمات هاتفية ورسائل بريد إلكتروني مسيئة، ما دفع بعض جماعات مناهضة الكراهية إلى تنظيم احتجاجات مضادة تدعو إلى نبذ الكراهية.

ويدعو هيروكي سوزوكا، مدير مقهى يقع مقابل الطريق الذي من المقرر بناء مسجد فوجيساوا فيه، إلى مزيد من التفاهم والحوار.

ويقول سوزوكا: "لست معارضاً بشدة، لكنني لا أؤيد بشدة أيضاً".

وأضاف: "أعتقد أن الخطوة الأولى هي التعرف عليهم وعلى الإسلام وعلى طبيعة أتباعه وعلى قيمهم ووجهات نظرهم. يبدأ الأمر بانفتاح الذهن والرغبة في فهم بعضنا البعض".

أن تكون مسلماً في اليابان

يعيش رجل الأعمال محمد محيي الدين في أوساكا منذ 39 عاماً. انتقل إليها من موطنه في سريلانكا عام 1987 بحثاً عن فرص عمل أفضل خلال فترة الازدهار الاقتصادي.

وعمل محيي الدين في تجارة الأحجار الكريمة، ثم في مجال التجارة، إذ صدّر السيارات المستعملة إلى دول مثل سريلانكا وباكستان.

ويقول إنه انتقل في وقت كان فيه عدد المقيمين الأجانب أقل بكثير.

لكن محيي الدين يشعر أن السكان المحليين، مقارنةً بالماضي، أصبحوا أكثر عدائية وبدأوا يوجهون عبارات مسيئة للمسلمين، سواء عبر الإنترنت أو وجهاً لوجه.

ويضيف محيي الدين: "على مواقع التواصل الاجتماعي، تنتشر تعليقات لا حصر لها من قبيل: اخرج من اليابان، وارجع إلى بلدك. كما بدأ الناس يأتون إلى المسجد ويوجهون الشتائم".

يذهب محيي الدين إلى مسجد أوساكا يومياً للصلاة وأداء واجباته الأخرى كعضو في الجالية الإسلامية المحلية. ويؤكد أنه لم يشعر قط بأن حياته في خطر.

وعلى الرغم من علاقاته الطيبة مع جيرانه لسنوات طويلة، لاحظ محيي الدين مؤخراً تغيراً في الموقف تجاه المسلمين. ويقول: "أشعر الآن أن الناس يخشوننا".

وتفاقمت الإساءات اللفظية في السنوات الأخيرة، حيث يتذكر محيي الدين كيف وُصف أفراد من مجتمعه المسلم بالإرهابيين واتُهموا بصنع القنابل وطُلب منهم مغادرة اليابان.

وأوضح أنه "عندما يحدث ذلك، ليس أمامنا إلّا التحلي بالصبر. إنّهم يحاولون استفزازنا أو إثارة مواجهة. يريدون أن يروا إلى متى سنتحمل ذلك".

ويضيف: "لذلك، نحن نحافظ على هدوئنا ونتحدث بلطف ونعاملهم باحترام، لأن اليابانيين عموماً لا يعرفون الكثير عن الإسلام".

ومع ذلك، يعتقد محيي الدين أن هناك مسؤولية مشتركة عن هذا الخلاف، إذ يرى أن المسلمين "ركزوا فقط على عملهم ولم يبذلوا جهداً كافياً لفترة طويلة لمساعدة الناس على فهم الهوية الإسلامية. كما لم يبذلوا جهداً كافياً ليصبحوا جزءاً من المجتمع".

يقول: "من الآن فصاعداً، أريد أن أبذل جهداً أكبر لزيادة الحوار وبناء فهم متبادل أفضل".

يمثل شاكيل محمد، البالغ من العمر 61 عاماً، مسجد ياشيو في محافظة سايتاما منذ نحو عقد. وكان قد عمل مشرفاً على مواقع البناء لمدة 26 عاماً بعد انتقاله من باكستان إلى اليابان، ويتحدث اليابانية بطلاقة.

ويقول محمد إن أهم شيء هو اتباع القواعد اليابانية، بما في ذلك فرز النفايات بشكل صحيح، والالتزام بقوانين ركن السيارات، وارتداء الخوذة عند ركوب الدراجة.

وأضاف: "نبذل قصارى جهدنا لاحترام العادات والتقاليد في اليابان والالتزام بالقواعد. اللباقة مهمة أيضاً، حتى في أبسط الأمور، كتحية الناس".

وأشار إلى أن السكان اليابانيين المحليين في ياشيو يُطلقون على الجالية الباكستانية في المنطقة اسم "ياشيو-ستان".

وتابع: "بالطبع، هناك بعض الباكستانيين الذين يتصرفون بشكل غير لائق، لكنهم أقلية ضئيلة. وينطبق الأمر نفسه على اليابانيين".

الهجرة مقابل الهوية

وتواجه اليابان تحديات في تحديد هويتها في ظل تحولات ديموغرافية هائلة.

فقد بلغ عدد المسلمين في اليابان، بمن فيهم المقيمون الأجانب واليابانيون، نحو 420 ألفاً بنهاية عام 2024، بزيادة عن 230 ألفاً في عام 2019، وفقاً لهيروفومي تانادا، الأستاذ الفخري بجامعة واسيدا والمتخصص في دراسة الدين في اليابان.

ويعكس تزايد عدد المسلمين في البلاد اتجاهاً وطنياً أوسع. فقد تجاوز عدد المقيمين الأجانب، الذين تنحدر أصول معظمهم من الصين وفيتنام وكوريا الجنوبية والفلبين، أربعة ملايين نسمة في عام 2025. وبلغ عدد العاملين منهم في اليابان رقماً قياسياً قدره 2.57 مليون شخص، وفقاً لبيانات حكومية. وفي العام نفسه، انخفض عدد سكان اليابان بنحو مليون نسمة.

ولطالما تجنب المسؤولون الحكوميون وصف اليابان بأنها "بلد هجرة"، لكنهم يشجعون منح تأشيرات تُعدّ مؤقتة أكثر من كونها دائمة. ويصف النقاد هذا النظام بأنه نظام هجرة "خفي".

لكن حتى مع ذلك، اتخذت رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي موقفاً متحفظاً للغاية تجاه الهجرة واسعة النطاق.

ففي يونيو/حزيران 2026، قررت الحكومة اليابانية رفع رسوم التأشيرات للأجانب خمسة أضعاف، بعد أن ظلت ثابتة لما يقرب من 50 عاماً.

والآن، تخطط الحكومة لزيادة عدد موظفي وكالة خدمات الهجرة بنحو 230 موظفاً، بهدف تشديد تطبيق القانون على الأجانب الذين يتجاوزون مدة الإقامة المسموح بها. وقد يفرض المسؤولون أيضاً حداً أقصى لعدد المقيمين الأجانب في البلاد.

ومع ازدياد الجاليات المهاجرة، تُجبر اليابان على مواجهة سؤال طالما حاولت تجنبه: هل يمكن لليابان أن تصبح بلداً أكثر تنوعاً مع الحفاظ على هويتها وتماسكها المجتمعي؟

وفي فوجيساوا، تُقر إيزوميزاوا بأنها لم تُصادف قط أي تجربة سلبية مع جار مسلم.

وتقول وهي تهز كتفيها: "في الحقيقة، ربما أخشى المجهول".