دودة الشيطان تكشف أسرار الحياة في أعماق الأرض

صدر الصورة، Gaetan Borgonie et al., Nature, 2011
- Author, كاتارينا زيمر
- Role, بي بي سي
- Published
- مدة القراءة: 7 دقائق
لو تمكنت من الحفر تحت قدميك والنزول إلى أعماق القشرة الأرضية، فلن يمر وقت طويل قبل أن تبدأ بالشعور بعدم الارتياح.
فمع اختفاء ضوء الشمس واقترابك تدريجياً من لب الكوكب المنصهر، ترتفع درجات الحرارة والضغط ارتفاعاً حاداً، فيما تملأ المياه الجوفية العميقة الشقوق والتجاويف الصخرية. وعند عمق يبلغ نحو 1.3 كيلومتر، قد يكون من المفهوم أن تعتقد أن الحياة لا يمكن أن توجد في مكان كهذا.
لكن، إن حالفك الحظ، فقد تراها: مليارات من البكتيريا، تشكل أحياناً طبقات زاهية باللونين البرتقالي أو الأبيض. وإذا نظرت عبر المجهر، فقد ترى أيضاً دودة صغيرة تستخدم زوائد دقيقة حول فمها لتسحب نفسها فوق الصخور.
إنها دودة "هاليسيفالوبوس ميفيستو"، المعروفة باسم "دودة الشيطان"، التي تجوب الأعماق بحثاً عن الكائنات الدقيقة. ورغم ضآلة حجمها، إذ لا يتجاوز طولها عرض بضع شعرات بشرية، فإنها تشبه حوتاً وسط هذا النظام البيئي المتناهي الصغر.
وعندما تموت داخل الغشاء الميكروبي اللزج الذي ينمو فوق الصخور، تلتهم البكتيريا وغيرها من الكائنات الحية جسدها، لتستمر بذلك دورة حياة غريبة تشبه، في طبيعتها، الحياة التي سادت خلال حقبة الهاديان، أقدم الحقب الجيولوجية في تاريخ الأرض.
وقبل ثمانينيات القرن الماضي، كان معظم علماء الأحياء يعتقدون أن الحياة لا يمكن أن توجد على عمق يزيد على نحو 30 سنتيمتراً تحت سطح الأرض. لكن اكتشاف دودة الشيطان عام 2011 أحدث تحولاً جذرياً في فهم العلماء للحياة في أعماق الأرض.
وتقول كارين لويد، عالمة الجيولوجيا الميكروبية في جامعة جنوب كاليفورنيا، بدهشة: "إذا كان من الممكن العثور على دودة هناك في الأعماق، فما الأشياء الأخرى التي لا نزال نغفل عنها؟".
وبفضل سلسلة استثنائية من الظروف، تمكن العلماء من الحصول على نسل من دودة شيطان واحدة. ومنذ ذلك الحين، يدرسون أحفادها بعناية، سعياً إلى فهم الكيفية التي استطاع بها هذا النوع البقاء على قيد الحياة في أعماق الأرض الحارة والمظلمة.
باطن الأرض

صدر الصورة، Gaetan Borgonie/Extreme Life Isyensya
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، يتذكر غايتان بورغوني، عالم الأحياء المتخصص في الديدان ومؤسس معهد الأبحاث البلجيكي غير الربحي "إكستريم لايف إيسينسيا"، أن علماء أكثر خبرة منه كانوا يسخرون من احتمال وجود كائنات حية أكثر تعقيداً في أعماق الأرض.
وكانت أولى التقارير المقنعة عن وجود حياة في أعماق باطن الأرض قد ظهرت قبل ذلك ببضع سنوات، ومن بينها اكتشاف بكتيريا عام 1997 على عمق 2.8 كيلومتر داخل بئر للتنقيب عن الغاز.
وكان بورغوني يعتقد أن مجموعة من الديدان الصغيرة، المعروفة باسم الديدان الأسطوانية أو النيماتودا، قد تكون قادرة على العيش في أعماق الأرض.
وكانت الفكرة غير مألوفة آنذاك، لكن بورغوني، الذي كان يدرك مدى قدرة هذه الكائنات الصغيرة على التحمل، رأى أنها تستحق البحث والاستكشاف.
وفي عام 2008، تعاون بورغوني مع مجموعة من الخبراء المتخصصين في دراسة أشكال الحياة في البيئات القاسية، لزيارة منجم بيتركس للذهب في جنوب أفريقيا.
ويتذكر أنهم تمكنوا، في أعماق المنجم، من الوصول إلى ثقوب حُفرت في جدرانه لاستخراج مياه محبوسة داخل الصخور، تبلغ حرارتها نحو 37 درجة مئوية. ثم مرروا هذه المياه عبر مرشحات صُممت لالتقاط الكائنات الحية الصغيرة.
وبعد تصفية أكثر من ستة آلاف لتر من المياه، نجحوا في العثور على دودة واحدة متناهية الصغر.

صدر الصورة، Gaetan Borgonie/Extreme Life Isyensya
وفي منجمين آخرين في جنوب أفريقيا، صفّى الباحثون كميات أكبر بكثير من المياه، تجاوزت 12 مليون لتر في أحدهما، وتمكنوا من العثور على عدد قليل من الأنواع المختلفة من الديدان الأسطوانية، إلى جانب بعض اللافقاريات الأخرى والفطريات وأشكال عدة من الحياة المجهرية.
وكان معظم هذه الأنواع معروفاً بوجوده أيضاً في البيئات السطحية. لكن الدودة التي عُثر عليها في منجم بيتركس، والتي تحطم ذيلها خلال عملية التصفية، كانت نوعاً جديداً على العلم، وأُطلق عليها اسم "هاليسيفالوبوس ميفيستو".
ويعني فقدان الذيل حُكماً بالموت بالنسبة إلى الدودة الأسطوانية. لكن لحسن الحظ، كانت هذه الدودة أنثى وقادرة على التكاثر العذري، أي إنتاج نسل من دون الحاجة إلى التزاوج، فوضعت ثماني بيضات قابلة للحياة قبل أن تنفق.

صدر الصورة، Gaetan Borgonie/Extreme Life Isyensya
وانتهى المطاف بجزء من نسل هذه الدودة في مختبر جون براخت، الباحث في علم الجينوم بالجامعة الأمريكية في الولايات المتحدة.
وهناك تُربى الديدان في أطباق بتري، في ظروف مشابهة لتلك التي تُربى فيها قريبتها "كاينورهابديتيس إيليغانس"، وهي نوع من الديدان الأسطوانية خضع لدراسات مكثفة ويعيش عادةً على الفواكه المتعفنة.
لكن ثمة اختلافات بين النوعين. فدودة الشيطان لا تسبح في الماء، بل تتشبث بجوانب الأنبوب البلاستيكي، وهي قدرة يُعتقد أنها تساعدها على الالتصاق بالصخور في أعماق الأرض.
والأهم أن دودة الشيطان لا تتحمل درجات حرارة الغرفة جيداً. فعند 20 درجة مئوية، يتباطأ نموها وتستغرق ثمانية أيام لإكمال دورة حياتها. أما درجة الحرارة التي تفضّلها فتصل إلى 37 درجة مئوية، وهي حرارة تؤدي عادةً إلى موت دودة "كاينورهابديتيس إيليغانس"، في حين تتكاثر فيها دودة الشيطان بنجاح كل يومين.

صدر الصورة، Gaetan Borgonie/Extreme Life Isyensya
التكيف لتعزيز البقاء
من الصعب دراسة نوع من الكائنات الحية بالاعتماد على نسل فرد واحد فقط، ولا سيما عندما تكون هذه الكائنات قد أمضت وقتاً طويلاً بعيداً عن بيئتها الطبيعية. ومع ذلك، تمكن براخت من العثور على أدلة تساعد في تفسير قدرة هذه الدودة على البقاء في أعماق الأرض.
فعندما حلّل براخت وزملاؤه التسلسل الجيني لدودة الشيطان عام 2019، اكتشفوا أنها تمتلك أعداداً مرتفعة على نحو غير معتاد من الجينات المسؤولة عن إنتاج بروتينات الصدمة الحرارية، وهي جزيئات تحمي البروتينات الأخرى من الأضرار الناجمة عن درجات الحرارة القصوى.
وفي وقت لاحق، عام 2024، ألقى فريق براخت نظرة أكثر تفصيلاً على جزيء آخر يُعرف باسم "أوكسيداز السيتوكروم سي"، الذي يؤدي دوراً مهماً في استهلاك الأكسجين والحفاظ على الحياة.
ومن خلال سلسلة من التجارب، اكتشف براخت أن إنزيم أوكسيداز السيتوكروم سي لدى دودة الشيطان لا يعمل بكفاءة إلا في درجات الحرارة المرتفعة. أما في درجة حرارة الغرفة، فيتوقف عن العمل، ما يبطئ إنتاج الطاقة ويفسر خمول الديدان في هذه الظروف.

صدر الصورة، Gaetan Borgonie, Extreme Life Isyensya, Belgium
ويعتقد براخت أن هذه الآلية التي تُوقف عمل الجزيء قد تكون إستراتيجية للبقاء. ويقول: "إنها تضمن تكاثر الديدان بوتيرة أكبر في البيئة الأنسب لها، أي البيئة الأكثر دفئاً".
ويدرس براخت حالياً ما إذا كان التكاثر العذري لدى دودة الشيطان يمثل بدوره وسيلة للبقاء. فبما أن هذه الديدان قد لا تصادف في كثير من الأحيان أفراداً آخرين من النوع نفسه في المساحات الشاسعة من العالم السفلي، فقد يكون هذا النوع من التكاثر اللاجنسي وسيلتها الوحيدة أحياناً لإنتاج نسل جديد.
ويرجّح براخت أن ذكور دودة الشيطان قد تكون موجودة بالفعل، ما يتيح حدوث قدر من التكاثر الجنسي عندما تلتقي الديدان بعضها ببعض، لكنها لم تُكتشف حتى الآن.
وفي جميع الأحوال، تكشف هذه الديدان عن قدرة كبيرة على التكيف. ويقول براخت: "في أي مكان يتوفر فيه مصدر للغذاء وتستطيع الحيوانات الوصول إليه، ستتطور الديدان الأسطوانية لتستوطن تلك البيئة".
كيف وصلت دودة الشيطان إلى هذا العمق؟
ولا تزال الكيفية التي وصلت بها هذه الكائنات الحية إلى تلك الأعماق لغزاً. وتشير أبحاث أجراها بورغوني وعالمة الأحياء الجيولوجية كارا ماغنابوسكو، من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، إلى أن بعض الديدان الأسطوانية، على الأقل، تنتقل من البيئات السطحية إلى الأعماق عبر المياه، وربما تساعدها على ذلك الاهتزازات الناجمة عن النشاط الزلزالي.
كذلك، فإن أنواعاً كثيرة من البكتيريا، قد تكون موجودة هناك منذ زمن أطول بكثير. فقد وجدت دراسة أجرتها عالمة الجيولوجيا الميكروبية ماجي لاو وزملاؤها في معهد علوم وهندسة البحار العميقة في الصين عام 2021 أن بكتيريا الأعماق "ديسولفوروديس أوداكسي فياتور"، التي عُثر عليها في بيئات عميقة تحت سطح الأرض في ثلاث قارات مختلفة، متطابقة جينياً إلى حد كبير، رغم أنها لم تُكتشف قط في البيئات السطحية.
وقدّر الباحثون أن هذه البكتيريا ربما تعيش في القشرة الأرضية منذ بدء تفكك القارة العظمى بانجيا، وهي عملية بدأت قبل نحو 165 مليون سنة، حين كانت الديناصورات لا تزال تجوب الأرض.
وحتى إذا اصطدم كويكب قاتل بالأرض وقضى على أشكال الحياة فوق سطحها، فقد تتمكن الحياة من الظهور مجدداً بفضل الكائنات التي تعيش في الأعماق.
وتقول عالمة الكيمياء الحيوية إيستا فان هيردن، كبيرة علماء البيئة في شركة المعالجة الحيوية الجنوب أفريقية "آي ووتر"، والتي كانت عضواً في الفريق الذي اكتشف دودة الشيطان: "نحن البشر نعتقد أننا نحكم العالم، لكن الأمر ليس كذلك. وكان إدراك هذه الحقيقة درساً في التواضع بالنسبة إليّ؛ أنْ تدرك أن هذه الكائنات موجودة هنا منذ ملايين السنين، وربما ملياراتها، وأنها ستظل باقية بعد رحيلنا بوقت طويل جداً".





























