سبتة ومليلية: قصة جيبين إسبانيين في شمال أفريقيا

صدر الصورة، AFP via Getty Images
- Author, وليد بدران
- Role, بي بي سي
- Published
- مدة القراءة: 6 دقائق
أعادت موجة العبور الجماعي الأخيرة إلى إسبانيا ملف سبتة ومليلية إلى واجهة الأحداث، إثر عبور نحو 60 ألف مهاجر براً وبحراً من السواحل المغربية إلى سبتة يوم الخميس، قبل أحدث إعلان اليوم عن عودة أكثر من نصفهم إلى المغرب.
وتعد هذه واحدة من أكبر محاولات الوصول إلى الأراضي الأوروبية خلال السنوات الأخيرة، وأسفرت عن غرق ما لا يقل عن 34 شخصاً، في وقت شهدت فيه المنطقة حالة من الفوضى مع تصاعد أعداد الوافدين.
فما هي حكاية مدينتي سبتة ومليلية؟
تبدأ قصة سقوط المدينتين مع ضعف إمارة بني الأحمر في غرناطة في القرن الخامس عشر الميلادي، ليحتل البرتغاليون سبتة عام 1415م، ثم سقطت مليلية في يد الإسبان عام 1497م، وظلت سبتة تحت الاحتلال البرتغالي حتى عام 1580م عندما قامت إسبانيا بضم مملكة البرتغال.
سبتة
تقع مدينة سبتة على الساحل المغربي عند مدخل البحر المتوسط على مضيق جبل طارق، وتبلغ مساحتها 20 كيلومترا مربعاً، وتعدادها حاليا نحو 84 ألف نسمة.
وتقول دائرة المعارف البريطانية إن سبتة هي جيب إسباني، وموقع عسكري، وميناء حر يقع على الساحل المغربي عند المدخل المتوسطي لمضيق جبل طارق.
وتُعد سبتة مدينة ذات حكم ذاتي تديرها إسبانيا، وتشكل سبتة ومليلية (وهي أيضاً جيب إسباني)، إلى جانب عدد من الجزر الصغيرة المنتشرة على طول ساحل شمال أفريقيا، أراضي إسبانيا في شمال أفريقيا.
وتقع المدينة على برزخ ضيق يربط جبل حَشو (الخاضع أيضاً للسيطرة الإسبانية) بالبر الرئيسي، وقد اعتُبر جبل حَشو أحد المواقع المحتملة للعمود الجنوبي لهرقل في العالم المتوسطي القديم (أعمدة هرقل هو الاسم الذي أطلقه الرومان علي مضيق جبل طارق)، بينما يُعد جبل موسى في المغرب احتمالاً آخر لهذا الموقع.
وعلى قمة جبل حَشو توجد قلعة يستخدمها الجيش الإسباني.

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
ونظراً لموقعها الاستراتيجي المتميز، خضعت سبتة لحكم القرطاجيين واليونانيين ثم سيطر عليها الرومان في عام 42 بعد الميلاد، وبعد ذلك بنحو 400 عام طردت قبائل الفاندال الرومان من المدينة، ولاحقا، سيطر عليها البيزنطيون، ثم القوط القادمين من إسبانيا.
وكانت سبتة قاعدة الغزو الإسلامي بقيادة طارق بن زياد لأسبانيا، عندما غير حاكمها القوطي، جوليان، موقفه وحث المسلمين على غزو إسبانيا، وبعد سقوط الخلافة الأموية، سادتها الفوضى حتى سيطر عليها المريدون، واتخذوها أيضا قاعدة للهجوم على الأندلس عام 1084.
ونظراً لأهميتها التجارية في تجارة العاج والذهب والرقيق، ظلت المدينة محل نزاع مستمر حتى احتلها البرتغاليون عام 1415، بقيادة الأمير هنري البحار، الذي كان يهدف إلى القضاء على نفوذ المسلمين في المنطقة، ثم أصبحت المدينة إسبانية عندما تولى الملك الإسباني، فيليب الثاني، عرش البرتغال عام 1580، وبعد اعتراف إسبانيا باستقلال البرتغال، تنازلت الأخيرة بمقتضى معاهدة لشبونة عام 1668 عن سبتة لإسبانيا.
ومع اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية في عام 1936، أرسل الجنرال فرانسيسكو فرانكو حملة عسكرية من سبتة إلى إسبانيا. وبعد استقلال المغرب عن إسبانيا وفرنسا عام 1956 احتفظت إسبانيا بسبتة، التي أصبحت إقليما يتمتع بالحكم الذاتي منذ عام 1995؛ حيث استُبدل المجلس البلدي بجمعية تشريعية مماثلة لتلك الموجودة في أقاليم الحكم الذاتي الأخرى في إسبانيا.
وتقول دائرة المعارف البريطانية إن خمسة قرون من الوجود الإسباني المسيحي أضفت على المكان طابعاً أوروبياً بدلاً من الطابع الموري (الإسلامي).
ولا تتجاوز نسبة المسلمين في جيب سبتة ثلث السكان تقريباً، ويقع الميناء جنوب البرزخ. ومع إنشاء مرافق ميناء حديثة، نمت سبتة لتصبح مركزاً عسكرياً وتجارياً ومركزاً للنقل.
وتُحاط المدينة بسياج مزدوج مزود بأسلاك شائكة لتأمين حدودها، ففي عام 2006، جرى تعلية السياج وزيادة أعداد القوات العسكرية والأسلحة في المدينة.
ورغم ذلك، يحاول آلاف المهاجرين، ومعظمهم من اللاجئين الأفارقة، عبور الحدود سنوياً.
مليلية

صدر الصورة، Getty Images
تقع مليلية في شرق المغرب، قرب الحدود الجزائرية، قبالة الساحل الجنوبي لإسبانيا، وهي شبه جزيرة صخرية تمتد لمسافة 40 كيلومتراً تقريباً داخل مياه البحر الأبيض المتوسط، وتزيد مساحتها على 12 كيلومتراً مربعاً، وتعدادها حاليا 87 ألف نسمة، وهي تبعد 500 كيلومتر عن السواحل الإسبانية، ولذلك فهي أكثر تأثراً بالثقافة المغربية، وعدد المغاربة الذين يعيشون فيها أكثر من أولئك الذين يعيشون في سبتة.
وخضعت المدينة لحكم الفينيقيين القدماء (القرطاجيين لاحقاً) والرومان تحت اسم "روسادير"، ثم سقطت في يد إسبانيا عام 1497 كمدينة أمازيغية، وظلت خاضعة للسيادة الإسبانية منذ ذلك الحين رغم تعرضها لهجمات وحصارات عديدة على مر التاريخ.
وبعد الاستحواذ على المنطقة المجاورة لها قرابة عام 1909، عملت إسبانيا على تحديث ميناء مليلية، وحوّلت المدينة إلى قاعدة عسكرية للقوات الإسبانية في المغرب. وفي عام 1921، وخلال حرب الريف، كادت القبائل المغربية بقيادة عبد الكريم الخطابي أن تستولي على المدينة.
وكانت القوات الإسبانية في مليلية أول من تمرد على حكومة "الجبهة الشعبية" اليسارية في يوليو/ تموز من عام 1936، ما ساهم في اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية في عام 1936 والتي استمرت 3 أعوام.
وقد احتفظت إسبانيا بمليلية كجيب تابع لها (أرض معزولة عن الوطن الأم) عند حصول المغرب على استقلاله عام 1956.
وظلت مليلية جزءا من إقليم ملقة الأسباني حتى 14 مارس/آذار من عام 1995 عندما أقرت الحكومة الإسبانية نظاماً للحكم الذاتي في مليلية، حيث استُبدل المجلس البلدي بجمعية تشريعية مماثلة لتلك الموجودة في أقاليم الحكم الذاتي الأخرى في إسبانيا.
ويمتد الحي الحديث للمدينة جنوباً وغرباً على البر الرئيسي، بينما تقع المدينة القديمة المسورة بين الميناء والحي الجديد، ويحيط سياج مزدوج مبطن بالأسلاك الشائكة لمنع المهاجرين، ومعظمهم من اللاجئين الأفارقة، من الدخول.
وكان المسلمون في المدينتين قد ثاروا عام 1985 احتجاجاً على "قانون الأجانب" الذي طالب كل الأجانب في إسبانيا بإدراج أسمائهم لدى السلطات وإلا تعرضوا للطرد.
ويصل معدل البطالة بين المغاربة في المدينتين إلى أكثر من 30 في المئة، وهو من أعلى معدلات البطالة في إسبانيا، كما تجذب المدينتان الآلاف من التجار والعمالة اليدوية من الأراضي المغربية الذين يعبرون الحدود يوميا من المغرب لكسب رزقهم في هذين الجيبين.
محاولات الاستعادة

صدر الصورة، Getty Images
حاول المغاربة مرارا استعادة المدينتين، وكانت أبرز هذه المحاولات بقيادة مولاي إسماعيل في القرن السادس عشر الميلادي، إذ حوصرت مدينة سبتة لفترة طويلة لكن دون جدوى، كما حاول مولاي محمد بن عبد الله عام 1774 محاصرة مدينة مليلية دون أن يتمكن هو الآخر من تحريرها.
واستمرت محاولات المغاربة لاستعادة المدينتين في القرن العشرين، وذكرت بعض المصادر التاريخية أن الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، قائد ثورة الريف، كان في وضع عسكري يسمح له بدخول مدينة مليلية، لكنه أحجم عن ذلك.
وتطالب الرباط، منذ استقلال المغرب عن فرنسا وإسبانيا، بمدينتي سبتة ومليلية وبعض الجزر الصغيرة قبالة الساحل الأفريقي، مثل الجزر الجعفرية (إشفارن بالأمازيغية أو شفاريناس بالإسبانية).
وفي عام 2002، طرد الجيش الإسباني قوة من الشرطة المغربية من جزيرة برجيل المقابلة لسبتة، والتي يطلق عليها المغاربة اسم جزيرة ليلى.
وأثارت زيارة ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس لسبتة في نوفمبر/تشرين ثاني من عام 2007 غضب المغرب، ودفعته إلى تجديد مطالبته بالسيادة على المدينتين.
لكن في يوليو/تموز من عام 2015، أعلن رئيس الحكومة المغربية حينئذ عبد الإله بنكيران أن الوقت لم يحن بعد للمطالبة باسترداد مدينتي سبتة ومليلية. ودعا الفرقاء السياسيين إلى الابتعاد عما وصفه بالمزايدات السياسية في هذه القضية، مشيرا إلى أن إسبانيا شريك اقتصادي مهم للمملكة.
واعتبر بعض المحللين أن السبب في تغير موقف الرباط في هذه القضية هو عدم قدرتها على فتح جبهتين في وقت واحد؛ الأولى في الجنوب ضد جبهة البوليساريو والجزائر، والثانية في الشمال ضد إسبانيا.
ولا تُصنف الأمم المتحدة سبتة ومليلية ضمن المناطق المحتلة.
يذكر أنه إلى جانب سبتة ومليلية، تسيطر إسبانيا على جزر الكناري الواقعة في المحيط الأطلسي قبالة الساحل الأفريقي، إضافة إلى عدد من الجزر والصخور الصغيرة القريبة من الساحل المغربي مثل جزر الشفرينات وصخرة الحسيمة وصخرة فيليز دي لا غوميرا.






























