لماذا تُخاطر إيران بالكثير من أجل مضيق هرمز؟

امرأة منقبة  تسير بجانب جدارية لعلي خامنئي في شوارع طهران في 15 يوليو/تموز  2026

صدر الصورة، EPA/Shutterstock

    • Author, أمير عظيمي
    • Role, بي بي سي فارسي
  • Published
  • مدة القراءة: 5 دقائق

بعد عشرة أيام من تبادل القصف بين الولايات المتحدة وإيران للسيطرة على ممر مضيق هرمز المائي الحيوي، يبدو أن أمام قادة الجمهورية الإسلامية ثلاثة خيارات لا يقدّم أي منها طريقاً واضحاً إلى النصر.

الخيار الأول هو قبول الكثير من مطالب واشنطن؛ المتمثلة في ضمان حرية الملاحة والمرور الآمن عبر مضيق هرمز من خلال وقف الهجمات على الشحن التجاري، والتخلي عن مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب أو تقليصه، وقبول عمليات تفتيش صارمة من جانب الهيئة الدولية المعنية بمراقبة الأنشطة النووية.

وفي المقابل، ستسعى طهران إلى إنهاء الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية، والحصول على تخفيف للعقوبات، وضمان الحماية من هجمات أخرى.

ولربما يكون هذا الخيار أقلّ كلفة مادية؛ إلا أنه الأعلى كلفة على الجانب السياسي.

فإعادة فتح مضيق هرمز من دون ضمان دور إيراني معترَف به في إدارة الممر المائي، ستعني التخلي عما بات يشكل بصورة متزايدة في نظر بعض المسؤولين في طهران، أداة ردع اكتُشفت حديثاً، قد تبدو الآن أكثر فعالية من صواريخ إيران أو وكلائها الإقليميين أو حتى برنامجها النووي.

وللمرة الأولى، أظهرت الجمهورية الإسلامية قدرتها على فرض تكاليف فورية على الاقتصاد العالمي ردّاً على هجوم يشنه أعداؤها على أراضيها.

أما البرنامج النووي، فقد جرى تقديمه منذ فترة طويلة على أنّه حقٌّ لا يمكن إرغام إيران على التخلي عنه.

والرضوخ لمطلب فرض قيود مشددة على الأنشطة النووية بعد أشهُر من الهجمات، قد يتيح للمتشددين القول بأن الضغط العسكري الأمريكي قد نجح، كما قد يفتح الباب أمام مطالب إضافية تتعلق ببرنامج إيران الصاروخي وعلاقاتها بحزب الله في لبنان والجماعات الشيعية العراقية والحوثيين في اليمن.

تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

أما الخيار الثاني فهو التصعيد؛ حيث يمكن لإيران أن تكثف هجماتها على القواعد الأمريكية في المنطقة، وعلى حركة الشحن، وعلى البنية التحتية الحيوية في الدول العربية الخليجية، أملاً في أن يدفع ارتفاع أسعار الطاقة واتساع نطاق الاضطرابات، واشنطن وحلفاءها إلى تقديم تنازلات.

ويتضمن هذا الخيار أعلى مستوى من المخاطر العسكرية؛ فأي هجوم يتسبب في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا أو في أضرار جسيمة للبنية التحتية الخليجية، قد يدفع جيران إيران إلى الانخراط بصورة مباشرة بشكل أكبر في الصراع، ويتركها في مواجهة تحالف أوسع نطاقاً.

والخيار الثالث هو الإبقاء على حالة عدم الاستقرار الحالية؛ بممارسة قدر من الضغط على حركة الشحن وأسواق الطاقة يكفي للاحتفاظ بأوراق النفوذ، لكن ليس بالقدر الذي يؤدي إلى اندلاع حرب شاملة جديدة مع الولايات المتحدة.

ويبدو أن هذا يتوافق مع التفكير الراسخ للجمهورية الإسلامية. فإيران ليست بحاجة إلى هزيمة عدو أقوى إذا استطاعت الصمود لفترة أطول من تلك التي قد يكون العدو مستعداً لمواصلة القتال خلالها.

ويمكن تقديم البقاء في حد ذاته على أنه انتصار؛ لكن العقوبات والأضرار الناجمة عن الحرب والتضخم، أمور تزيد تدريجياً من الضغوط الداخلية.

ومع مرور الوقت، قد تظهر مفارقة جديدة؛ فكلما استخدمت إيران مضيق هرمز كسلاح، تقلصت قوته المحتملة إذا وجدت الدول طرقاً جديدة لتصدير مواد الطاقة وسلع أخرى إلى خارج المنطقة.

وقد أقرّ رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف بهذا التناقض، معتبراً أن قيمة هرمز تكمن في زيادة حجم حركة الشحن عبره لا في تقليصها. فالممر المائي غير الآمن بصورة دائمة، يشجّع العالم على إيجاد طرق تتجاوز إيران.

من يتخذ القرارات؟

الغموض الذي يحيط بعملية صنع القرار في إيران، يزيد الأمور تعقيداً.

ففي عهد آية الله علي خامنئي، الذي قُتل في 28 فبراير/شباط خلال هجوم في بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، كانت الخلافات بين السياسيين المنتخَبين والمؤسسات الدينية والحرس الثوري تُحسم في نهاية المطاف من قبل المرشد الأعلى. وبعد أشهر من الحرب وتحت القيادة الجديدة لابنه مجتبى خامنئي، أصبح هذا التوازن في السلطة أقل وضوحاً.

ولربما يفضّل الرئيس مسعود بزشكيان وفريقه الدبلوماسي التوصل إلى تسوية لتخفيف الضغوط الاقتصادية واستعادة الاستقرار. وفي المقابل، قد يخشى المتشددون في البرلمان والمؤسسات القوية غير المنتخَبة وفي وسائل الإعلام المحافظة، أن تؤدي التنازلات الكبيرة إلى تقويض الأسس الأيديولوجية للجمهورية الإسلامية وإبعاد أنصارها الأساسيين.

ويبقى السؤال الأكبر حول موقف القوات المسلحة، لا سيما الحرس الثوري؛ فبرنامج إيران الصاروخي وتحالفاتها الإقليمية وإستراتيجيتها في مضيق هرمز تشكل عناصر محورية في نفوذ الحرس الثوري. ومع ذلك، لم يتضح بعد مدى الثقل الذي يتمتع به القادة العسكريون في القرارات المتعلقة بالتصعيد والمفاوضات.

ولا تفرض الخيارات الثلاث المطروحة أمام طهران، التكاليف ذاتها على مختلف أجزاء النظام؛ فقد يفضّل البراغماتيون إبرام اتفاق، وقد يفضّل المتشددون الصمود، بينما قد يرى بعض القادة العسكريين أن التصعيد يعزز الموقع التفاوضي لإيران.

وعليه، فإن السؤال لا يتعلق فقط بالمسار الذي ستختاره إيران، بل أيضاً بمن يملك سلطة اتخاذ ذلك القرار.

ماذا يقول الإيرانيون؟

تبدو فكرة القيادة عن الصمود مختلفة تماماً لدى أولئك المطلوب منهم تحمّل تبعاته؛ حيث أعربت سيدة في إيران لبي بي سي فارسي، عن شعورها بـ"حزن شديد للغاية" عند استئناف القتال.

كانت إيران والولايات المتحدة قد وقّعتا مذكرة تفاهم في يونيو/حزيران لوقف العمليات العسكرية وإعادة فتح مضيق هرمز، فضلاً عن التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب في غضون ستين يوماً.

لكن، وبعد ثلاثة أسابيع من توقيعها، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن وقف إطلاق النار "انتهى" عقب الهجمات الإيرانية على السفن في مضيق هرمز والضربات الأمريكية التي جاءت ردّاً عليها.

وكانت السيدة التي تحدثت إلى بي بي سي تأمل أن تمنح مذكرة التفاهم الجانبين، الوقت الكافي لحل الخلافات المتبقية واستعادة الاستقرار؛ لكنها باتت تخشى تدمير البنية التحتية وسقوط ضحايا بين المدنيين والعسكريين.

وألقت باللوم على المتشددين داخل النظام الإيراني لفرضهم سياسات مدمِرة، وأدانت شخصيات معارضة في الخارج، ترى أنها شجعت على الحرب.

وأفادت سيدة أخرى في طهران بأن شركة التجارة الخارجية التي كانت تعمل فيها توقّف نشاطها وأغلقت أبوابها، ما جعلها عاطلة عن العمل منذ أربعة أشهر رغم حصولها على درجة الدكتوراه وامتلاكها خبرة تمتد لـ 17 عاماً.

وقالت: "باب الوظائف مُوصد بسبب عدم معرفة ما سيحدث"، متحدثة عن ارتفاع كبير في الأسعار وانقطاع الكهرباء والمياه وتزايد السرقات، وسماع إطلاق النار أحياناً خلال الليل، وهي أمور دفعتها إلى أن تحدّ من تنقلاتها داخل المدينة.

ولا تشير هذه الروايات إلى استنتاج سياسي واحد؛ فالهجمات من الخارج يمكن أن تثير غضباً تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل حتى بين معارضي الجمهورية الإسلامية؛ لكنها توضح أيضاً حدود مطالبة الجمهور بتحمل مشقات باسم المقاومة دون سقف زمني محدّد.

ويواجه ترامب بدوره خيارات صعبة؛ تتمثل في توسيع نطاق الحرب أو مواصلة الضغط العسكري والاقتصادي، أو القبول بتسوية تسمح لإيران ببرنامج نووي مدني محدود يخضع لإشراف أكثر صرامة.

ولا يقدّم أي من هذه الخيارات طريقاً واضحاً إلى النصر. وقد تستمر المواجهة لأشهر عبر سلسلة متعاقبة من الهجمات والوساطات ووقف إطلاق النار المؤقت.

ويبقى السؤال الحاسم: إلى متى يستطيع قادة إيران الحفاظ على هرمز كورقة ضغط، دون التسبب في اندلاع حرب شاملة أو تجدد الاضطرابات، أو إيجاد مسارات بديلة تقلل من أهمية المضيق.