الرُّهاب المرضي: لماذا نخاف بشدة من أشياء قد لا تؤذينا؟

صدر الصورة، Art Images via Getty Images
- Author, ديزي ستيفنز
- Role, خدمة بي بي سي العالمية
- Published
- مدة القراءة: 6 دقائق
ماذا سيكون شعورك إذا رأيت عنكبوتاً يركض فجأة على أرضية غرفة المعيشة؟
معظم العناكب سامة، لكن نسبة ضئيلة جداً منها تشكل خطراً على البشر. وتشير تقديرات معهد البحوث والتعليم البيئي إلى أن أقل من عشرة أشخاص حول العالم يموتون سنوياً بسبب لدغات العناكب، رغم صعوبة الحصول على بيانات دقيقة في هذا الشأن.
ومع ذلك، يقول كثيرون - وأنا منهم - إنهم يعانون من رُهاب العناكب. فلا أستطيع النوم إذا علمت بوجود عنكبوت في غرفتي، ويكفي مجرد التفكير في خيوط العنكبوت كي أشعر بالقشعريرة.
وفي كثير من الحالات، يكون الرُهاب خوفاً شديداً من شيء لا يستطيع، في حد ذاته على الأقل، أن يُلحق بنا أذى خطيراً. فلماذا تنتشر هذه المخاوف إلى هذا الحد؟ ومن أين تنشأ؟
من الخوف إلى الرُّهاب
تقول فانيسا لوبو، أستاذة علم النفس في جامعة روتغرز بولاية نيوجيرسي الأمريكية، إن الخوف شعور أساسي لبقاء الإنسان.
وتوضح: "الخوف مهم لأنه يحمينا من الأشياء التي قد تشكل خطراً علينا".
تُعد رؤية العناكب داخل المنزل أمراً مألوفاً لكثيرين، لكن بعض الأشخاص يشعرون تجاهها بقدر أكبر من الضيق والخوف.

صدر الصورة، Elva Etienne via Getty Images
لكن عندما يتطور الخوف إلى درجة شديدة تعيق حياة الإنسان، يمكن اعتباره رهاباً، وفق أندراس زيدو، مدير مختبر الإدراك البصري والعاطفة في جامعة بيتش بالمجر.
ويقول: "يمكننا تصور الأمر على أنه طيف متدرج، يبدأ بخوف طبيعي تماماً، فجميع الناس يخافون من شيء ما. لكن عندما يبدأ هذا الخوف في عرقلة حياتك اليومية، يمكن عندها اعتباره رهاباً".
وتقول لوبو أيضاً إن الرهاب غالباً ما يكون أكبر بكثير من حجم الخطر الفعلي.
ففي بعض مناطق العالم، مثل المملكة المتحدة حيث أعيش، لا تشكل معظم أنواع الثعابين خطراً على البشر، وبالتالي قد يكون الخوف الشديد منها غير منطقي ويُصنف باعتباره رهاباً. أما في مناطق أخرى من العالم، فقد يكون هذا الخوف مبرَّراً أكثر.
فطري أم مكتسب؟
على الرغم من شيوع بعض أنواع الرهاب، لا يعتقد معظم الخبراء أننا نولد بها. وترى لوبو أن الخوف شعور لا يستطيع الأطفال في الشهور الأولى من حياتهم اختباره بعد.
وتقول: "لا نرى الخوف إلا في مرحلة لاحقة، لأن الشعور به يتطلب أن تدرك أن شيئاً ما يمثل تهديداً، وللوصول إلى هذا الإدراك تحتاج أولاً إلى اكتساب قدر من المعرفة بالعالم من حولك".
فإذا كنا لا نولد خائفين من العناكب أو الثعابين، فلماذا يصاب الناس بالرهاب من هذه الكائنات تحديداً؟
قد يبدو الخوف من الثعابين أكثر منطقية في بعض مناطق العالم منه في مناطق أخرى.

صدر الصورة، dlewis33 via Getty Images
وأجرت ستيفاني هول، أستاذة علم النفس النمائي في جامعة فيينا بالنمسا، دراسة وجدت أن حدقات عيون الأطفال اتسعت بدرجة أكبر عندما شاهدوا صوراً للثعابين أو العناكب، مقارنة بصور الزهور والأسماك.
وقد يكون اتساع حدقة العين مؤشراً إلى إدراك خطر محتمل. ويرتبط ذلك بتنشيط الجهاز النورأدريناليني، الذي يؤدي دوراً في استجابة الجسم المعروفة بـ"القتال أو الفرار"، والتي تترافق مع زيادة معدل ضربات القلب وضغط الدم وسرعة التنفس، بينما يستعد الجسم إما للفرار من خطر يعتقد أنه يواجهه أو للتصدي له.
ولا تعتقد هول أن الخوف فطري، لكنها تقول إننا قد نكون أقدر على رصد بعض الأشياء في محيطنا بسرعة أكبر من غيرها، وربما يعود ذلك جزئياً إلى الطريقة التي تتحرك بها.
وتقول: "هناك أشياء في العالم نكون أكثر استعداداً لتعلّم الخوف منها".
قد لا نولد مصابين بالرهاب، لكن بعض الخبراء يعتقدون أننا قد نكون مهيئين وراثياً لتعلّم الخوف من أشياء معينة.

صدر الصورة، Maskot via Getty Images
وترى لوبو أننا ربما نكون أكثر قابلية لتعلّم الخوف من العناكب والثعابين مقارنة بحيوانات أخرى، لأنها ببساطة تبدو لنا "غريبة". وهو رأي أتفق معه تماماً.
وتقول: "فكّر في الثعبان، لا يوجد شيء آخر في العالم يشبهه".
وتضيف: "فكّر في الطريقة التي يعتاد بها الأطفال النظر إلى الحيوانات: كائنات لها أربع قوائم وتمشي، أليس كذلك؟ الثعابين لا تفعل ذلك. أما العناكب فتتحرك بطرق غير مألوفة. وهذا يزعجنا".
ويعتقد بعض الخبراء أن هذا الميل إلى الخوف من أشياء معينة قد يكون نتيجة للتطور.
ويقول زيدو: "كان البشر الأوائل يعيشون في بيئة يصعب التنبؤ بما قد يحدث فيها".
ويضيف: "كل خوف وكل رهاب كان في مرحلة ما من تطور البشر منطقياً وله ما يبرره، لكنّ كثيراً منه لم يعد مفيداً أو منطقياً في حياتنا اليومية".
تقول لوبو إن الطريقة التي تتحرك بها العناكب والثعابين قد تثير فينا شعوراً بعدم الارتياح.

صدر الصورة، Catherine Falls Commercial via Getty Images
لكن الاستعداد التطوري لتعلّم أنواع معينة من الخوف، فيما يُعرف بـ"نظرية الاستعداد"، لا يكفي وحده لظهور الرهاب.
فوفق لوبو، تُعد التجربة السلبية المباشرة مع حيوان أو شيء ما من أسرع الطرق لتعلّم الخوف منه، ولا سيما إذا كان لدينا أصلاً استعداد طبيعي للخوف منه.
لكننا قد نتعلم الخوف أيضاً من خلال مشاهدة ردود فعل سلبية لدى الآخرين.
وتقول لوبو: "تحدث لديك استجابة جسدية، كأن تتعرض للدغة أو أن تفزع".
وتضيف: "ثم ترى رد فعل الأم، أو تسمعها تقول: نعم، هذا أمر سيئ فعلاً... فيزيد ذلك من احتمال أن تتعلم الخوف منه".
ولهذا السبب، تقول هول إن الرهاب يمكن أن ينتقل من جيل إلى آخر.
انظروا إلى الأفلام
وبما أن تجاربنا تؤثر في الأشياء التي نتعلم الخوف منها، ترى لوبو أن الثقافة الشعبية تتحمل بدورها جانباً من المسؤولية عن شيوع رهاب الثعابين والعناكب.
وتقول: "انظروا إلى الأفلام، وانظروا إلى الكتب. متى تكون الثعابين أو العناكب هي المنقذ؟ أبداً".
ترى لوبو أن الطريقة التي تُصوَّر بها بعض الحيوانات في الأفلام والكتب قد تسهم في خوف بعض الناس منها.

صدر الصورة، Flashpop via Getty Images
وقد يكون هناك عامل آخر وراء الرهاب من عناصر العالم الطبيعي، أو ما يُعرف بـ"الرهاب من الكائنات الحية والطبيعة".
ودرس زيدو ما إذا كانت هناك علاقة بين درجة التحضر في البيئة التي يعيش فيها الشخص واحتمال إصابته برهاب الحيوانات. ووجد أن هذا النوع من الرهاب يزداد شيوعاً كلما ارتفعت درجة التحضر.
ويقول: "يبدو أن الأشخاص الذين يقضون وقتاً أطول في الطبيعة، ويتمتعون بخبرة أكبر في التعامل معها، يكونون أقل خوفاً من الحيوانات التي قد يصادفونها".
ومع عيش أكثر من 80 في المئة من سكان العالم اليوم في مناطق حضرية، قد لا يكون من المستغرب أن يكون الرهاب المرتبط بالحيوانات شائعاً إلى هذا الحد.
التخلص من مخاوفنا
يتفق معظم الخبراء على أمرين: يمكن التخلص من الرهاب، وأفضل السبل إلى ذلك هو التعرض تدريجياً لما نخشاه.
وتقول هول: "إذا كنت تشعر بقدر من عدم الارتياح في مواقف معينة، فقد يكون من المفيد أن تدفع نفسك قليلاً لمواجهتها".
وتقترح لوبو البدء بخطوات صغيرة، مثل النظر إلى صور الشيء الذي نخاف منه، والتعرف إلى معلومات إيجابية عنه، ثم زيادة درجة التعرض له تدريجياً.
أما إذا كان الرهاب شديداً ويؤثر بصورة كبيرة في حياة الشخص، فقد يكون من الأفضل اللجوء إلى مساعدة متخصصة.
تشير أبحاث إلى أن الأشخاص الذين يمضون وقتاً أطول في الطبيعة قد يكونون أقل عرضة للإصابة بالرهاب منها.

صدر الصورة، Justin Paget via Getty Images
وتدعم أبحاث زيدو أيضاً فكرة أن التعرض لا يساعدنا فقط على التخلص من المخاوف التي اكتسبناها، بل قد يحول دون نشوئها من الأساس.
ويقول: "التجربة الشخصية هي العامل الأهم في نشوء الخوف. فإذا كانت التجربة إيجابية، في الطفولة مثلاً أو خلال التعليم أو في سياق آخر، فإنها تؤدي في الأساس دور عامل حماية من تطور الخوف".
وتشدد لوبو على أن الخوف يحمينا وأن وجوده أمر مفيد، كما تؤكد أننا لسنا عاجزين أمام أنواع الرهاب التي نعاني منها.
وتقول: "لست محكوماً بأن تظل خائفاً من شيء بعينه. فإذا كنت تخاف من شيء ولا تريد أن يستمر هذا الخوف، فهناك حلول".
أما أنا، فلا أعرف ما إذا كنت قد تعلمت رهاب العناكب من أحد والديّ، أم اكتسبته من فيلم شاهدته، أم لأنني ببساطة لم أصادف ما يكفي من العناكب في حياتي. وربما كان السبب مزيجاً من كل ذلك. لكن لعل كتابة هذا المقال تكون خطوتي الأولى نحو التغلب عليه.































