"المصارع-2": قصة أغرب فيلم لم يخرج إلى النور

صدر الصورة، Getty Images
- Author, نيكولاس باربر
- Role, ناقد سينمائي
- Published
تعد قصة الفيلم الذي كان من المفترض أن يتبع فيلم "Gladiator" (المصارع) قصة غريبة، فقد كتبها المؤلف نيك كايف في صورة ملحمة للسفر عبر الزمن، لا يظهر فيها "ماكسيموس" في حلبة القتال.
بعد ساعتين من فيلم المخرج ريدلي سكوت الشهير "المصارع"، الذي يلعب فيه دور البطولة الممثل راسل كرو، يخرج الإمبراطور الشرير كومودوس (الممثل جواكين فينيكس) بعبارة تلخص الفيلم، قائلا: "القائد الذي أصبح عبدا، والعبد الذي أصبح مصارعا، والمصارع الذي تحدى إمبراطورا. قصة مدهشة، أليس كذلك؟ الآن يريد الجمهور أن يعرف كيف تنتهي!".
ويجيب الفيلم عن السؤال: فالقائد العبد المصارع ماكسيموس (راسل كرو) يقتل كومودوس في حلبة المسرح الروماني منتقما لمقتل زوجته وابنه، ومحررا حبيبة الماضي لوسيلا (كوني نيلسون)، ورفاقه المصارعين، ومحققا آخر ما تمناه الإمبراطور السابق ماركوس أورليوس، وفاتحا الطريق لازدهار الديمقراطية في روما.
وهكذا لم يبق لماكسيموس ما يفعله سوى أن يلقى مصرعه مع نهاية الفيلم.
ولو كان هناك فيلم لا يحتاج لجزء آخر له فهو "المصارع"، الذي فاز في عام 2001 بخمس جوائز أوسكار، بينها جائزة أفضل فيلم وأفضل ممثل، والذي حقق 457 مليون دولار بشباك التذاكر. ومع ذلك، من يلوم مخرجه أو بطله في رغبتهما في إعادة الكرة بعد ما حققاه من نجاح ساحق؟
لكن المشكلة أن "المصارع" لم يترك بابا للمزيد؛ لاكتمال حبكته وعدم وجود أسئلة معلقة يحتاج الفيلم للإجابة عنها. فكيف للمخرج سكوت والبطل كرو أن يخرجا بفيلم تالٍ يواصل القصة الأصلية؟ ليس من سبيل إلا التحلي بعقلية ابتكارية، حتى لو بلغ الابتكار حد الشطط.

صدر الصورة، Alamy
كانت خطة سكوت هي تكليف جون لوغان، أحد كُتّاب الفيلم الأصلي، بكتابة سيناريو جديد لأحداث تدور في روما القديمة، ولكن دون ظهور كرو أو أي مصارع آخر ، وهو ما يعني الخروج بفيلم جديد لا يمت للفيلم الأصلي بصلة.
لكن من المعروف أن الممثل كرو أراد فيلما يظهر فيه مرة أخرى، ومن ثم كلف مؤلفا آخر، وهو نيك كايف، رغم أن كايف بالأساس كان مغنيا ومؤلفا للأغاني المسرحية.
ووقت تكليفه لم يكن كايف قد ألف سوى فيلم واحد خرج للنور، وهو فيلم "غوستس أوف ذا سيفيل ديد"، الذي أخرجه جون هيلكوت. وكان تركيزه منصبا على الأغاني. ومع ذلك لم يقاوم ذلك العرض من كرو لتأليف فيلم لاحق لـ"المصارع"، رغم وجود نقطة أساسية عبر عنها في سؤاله لكرو: "ألم تمت في الفيلم الأول؟" فكانت إجابة البطل: "بلى، لكن عليك أن تتدبر الأمر!".
وبالفعل تدبر كايف الأمر. فقصة "المصارع-2" تبدأ بماكسيموس مستيقظا في الحياة الأخرى. ولخيبة أمله لا يرى جنة موعودة ذات شمس ساطعة كالتي طالما حلم بها في "المصارع"، بل عالما سفليا قاتما، يرافقه فيه شبح يدعى "موردخاي" وصولا لأطلال معبد يلتقي فيه جوبيتر ومارس وخمسة آلهة رومانية أخرى بدت واهنة ورثة الهيئة.
يقول "جوبيتر" إن "هيفايستوس"، أحد الآلهة المارقين، غدر بهم وبات يدعو لعبادة إلها آخر يفوقهم جميعا قوة - وليس على القارئ أن يتوقف كثيرا عند كون "هيفايستوس" من آلهة الإغريق لا الرومان، ومقابله الروماني هو "فولكان".
ويصف جوبيتر "هيفايستوس" بالمتمرد الذي "يثير زوبعة من القلاقل سرعان ما تودي للتهلكة"، ويسأل البطل عما إذا كان يعي ما يقصده، فيرد ماكسيموس عليه بـ"لا".
ويعرض عليه جوبيتر أن يقتل هيفايستوس مقابل أن يرده لزوجته وولده في حقول الجنة الموعودة، في ما يبدو أحد أفلام تيري جيليام، أو روايات نيل غايمان.
لكن كايف نجح في أن يجعل تلك المغامرة التي تشبه أساطير أورفيوس الإغريقية تتفق وقصة المصارع الأصلية الذي يتوق لرؤية أسرته من جديد، ومن ثم يمكن تفهم حبكة تعتمد على إبقاء هذا الأمل حيا، وإن كان صاحب الأمل نفسه قد مات.

صدر الصورة، Alamy
وإذا استطاع المشاهد تجاوز موت البطل فسيكون بإمكانه الاستمتاع بفيلم "المصارع-2"- الذي لم ير النور - باعتباره ملحمة تتجاوز حدود الطبيعة.
وهنا تقفز الحبكة قفزة أخرى غير متوقعة! فما إن يجد ماكسيموس غريمه هيفايستوس إلا ويخرج فجأة من قتامة العالم السفلي إلى عالم الأحياء، بعد عقد أو اثنين من موته، وإذ به يتمثل بشرا من جديد يرتحل إلى روما بحثا عن ابنه ماريوس (عذرا نسيت أن أذكر أن ماريوس، الذي كان قد قضى نحبه مصلوبا ومحروقا في الفيلم الأصلي، حي يرزق في الفيلم اللاحق!).
عند هذه المرحلة ينتقل النص للتركيز على مجموعة من المسيحيين الأوائل الذين يفلتون من أيدي السلطات الرومانية، مثلما يفعلون في فيلم "مريم المجدلية" الخيالي الذي مثل فيه فينيكس أخيرا، مع إضافة شخصيات وصراعات جاء ذكرها في "المصارع".
ففضلا عن لقاء ابنه الذي صار الآن شابا، يلقى ماكسيموس رفيقه القديم جوبا (الذي أدى دوره جيمون هونسو في الفيلم الأصلي)، أما البطل الشرير في القصة الجديدة فليس سوى "لوسياس" ابن اخت كومودوس بعد أن شب هو الآخر وبات يضاهي خاله في شره وأسلوبه الماكر.
والأهم أن "المصارع-2" يعود إلى الحلبة، حيث يشاهد الإمبراطور عرضا لمعركة بحرية بإغراق أرضية المسرح بالمياه وإطلاق مئة تمساح، ليكون الجزء اللاحق أكثر إبهارا، من الناحية الشكلية، من الفيلم الأصلي.
وينتهي الحال بمواجهة بين قوات لوسياس وجيش من المقاومة المسيحية دربه ماكسيموس وجوبا سرا. ثم ماذا بعد؟ هل يدور حوار آخر مع آلهة الرومان؟ هل يلتئم الشمل في جنة حقول القمح الذهبية؟
لا هذا ولا ذاك، بل يجعل كايف ماكسيموس ينتقل محاربا عبر العصور، من الحروب الصليبية إلى الحربين العالميتين، إلى حرب فيتنام، إلى البنتاغون، في ما يبدو نسخة أضخم من افتتاحية فيلم "بداية الرجال-إكس: المستذئب".
والفحوى أنه باختيار ماكسيموس للصراع المسلح بدلا من المقاومة السلمية أودى البطل بالبشرية إلى دائرة لا تنتهي من الدم، وهي خاتمة تستحق التأمل، ولكن ليس بالضرورة ما يطلبه الجمهور. كايف نفسه قال إنه حين أطلع كرو على الفكرة كان رده "لا أحبها يا صاحبي!".

صدر الصورة، Alamy
ولا يبدو أن الأمر ضايق كايف، فبعد سنوات قال خلال مقابلة: "استمتعت كثيرا بكتابة القصة لأني كنت متأكدا أنها لن ترى النور".
وربما كان هذا أفضل شيء فعله المؤلف. ربما لم يكن مقدرا أبدا لـ"المصارع-2" أن يرى النور. وكان كايف محقا في الخوض في بحثه اللاهوتي بالمغامرة عبر العصور بشكل يناسب أفلام دارين أرونوفسكي أكثر منه فيلما لريدلي سكوت. ولابد أن كايف كان يضحك سرا حيث أورد في قصته أحد الأباطرة وهو يشكو قائلا "زرافتي صرعها البرق!".
لكن يمكن القول إن الفكرة على ما بها من شطط جديرة بالبحث، فريدلي سكوت نفسه سبق أن أظهر اهتماما بالأساطير اليونانية الرومانية في فيلمه برومثيوس، وأخرج معارك تاريخية بين مقاتلين مسيحيين وأعدائهم في "مملكة السماء"، وفي "روبن هود" الذي مثل فيه كرو أيضا. ومن ثم فهناك في سيناريو كايف الكثير مما يروق لسكوت، ولكن يشوبه عيب واحد قاتل لا سبيل لغض الطرف عنه، ألا وهو غياب البطل ماكسيموس نفسه تماما عن حلبة المسرح الروماني.
لا ضير في التنقل عبر الزمن ولا في الرحلة عبر العصور والأبعاد المختلفة والتأكيد على عبثية الحرب، ولكن المشاهد يريد من أي فيلم لاحق لفيلم المصارع نفس الشيء الذي جعله مولعا بالفيلم الأصلي، وهو بطل "مصارع"، مصداقا لعنوان الفيلم.
يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture


























