"وخوف الطغاة من الأغنيات"

    • Author, رشا قنديل
    • Role, لندن
  • Published

الأمل.. ذلك العنيد الخابي، المراوغ أبدا.. لا يترك للروح الحية فرصة الموت.. كلما اتسق اليأسُ لك فردا أو بين المجموع وظننتَ ألا مآل إلا الحاصل ولا في الإمكان إلا ما انطوى، باغتك الأمل بسيطا بريئا.. ووعدك بتباشير الحرية.. رسم لك على امتداد النظر ظلا لنور وحرّضك على التمني… وعدك بالبراح، وأمان عزيزِ عزيز.

لستُ من عشاق درويش أعترف.. لكنّ مسّا في قلبي من هوى لبديع كلماته ينبض داخلي بين المستحيل والممكن.. درويش ودنقل وعبد الصبور وأشباح الحالمين وعدنا بأن "على هذه الأرض ما يستحق الحياة.. هتافات شعب لمن يصعدون إلى حتفهم باسمين.. وخوف الطغاة من الاغنيات".

كلما هز صوت الحشود ميدانا أستشعر "زحمة من النعم" كما يقول أصدقائي السودانيون، فالمستحيل ليس مستحيلا والخيال يحفر لكتلته في الأرض واقعا وسطوة وبالتأكيد.. يحفر أخدودا من الأمل. لكل انتفاضة خصوصية يكاد عصب الرائي يلمسها بالعين المجردة. القصد يا سادة أن حقاً وراءه مُطالب أبدا لا يضيع. فالتقادم لا يُسقط الحقوق ولا عزاء في الانتفاضات للناكصين.

أما الجزائر فلها من الخصوصية غير قليل. لا لسوداوية العشرية التي جرحت وجهَ بلد ناضل ضد إحدى أعنف الثقافات الاستعمارية في أوجها فقط، ولا لكونه بلد "المليون شهيد" حتى، ولا لجبلية البشر وصلادتهم حيث هم، وإنما لرقة المستتر تحت شدة المظهر وقساوة التاريخ هناك. في الجزائر، لا ينفصل النضال عن السطايفية والراي والشاوية.. معزوفة الجزائر في تاريخ الحركات التحررية والشعبوية الأصيلة لا تعرف اليأس..

اعتراف آخر، لا أؤمن كثيرا بلولبية التاريخ.. لا أعتقد في الحلقات المكررة والأحداث المستنسخة كالواقعيين الكلاسيكيين. أظن أن خطا مستقيما يوازي حيواتنا الممتدة، وأن لنا دوما خيارات. وكذلك ظن الجزائريون حينما انتفضوا قبل تسعة أشهر، كما فعلوا في الفاتح من نوفمبر منتصف الخمسينيات. تتشابه الأحداث ربما، لكنها قطعا لا تتطابق. هكذا علمتنا الأيام، والأيام في نظري ليست دول.

لفتني عنوان شديد التركيز لزملائنا في دويتش فيلا على موقعهم في ذكرى ثورة التحرير، تكريسا لوقائع قبل عدة أيام: "احتجاجات واعتقالات في ذكرى الثورة في الجزائر". هذا واقع الحال فعلا بأقل الكلمات. فالذكرى في واقع الجزائر للمُذّكرين بالتأكيد. تسعة أشهر أبى خلالها المحتجون العودة عن الانتفاضة. وُصفوا بالمطلبيين ووسموا بالصالح والطالح ولم يعودوا. آمنوا أن التغيير لا يَحدُث، فعملوا على إحداثه بأيديهم ومازالوا.

اليوم وجب عليّ طرحُ الأسئلة الصعبة كدأبي عن واقعية الحال بين المراد والممكن. خمسة وقع عليهم اختيار سلطة تمكين الديمقراطية متمثلة في لجنة الانتخابات الجزائرية ليتنافسوا أمام شعب، لن يرضى بغير ما يريد. خمسة ألوان. خمسة تيارات تشابهت أو تنافرت، تتموضع في امتحان شديد الصعوبة والخصوصية. فكلهم لا مناص سيحاولون توليفَ واقع يماثل من قريب أو بعيد أحلام المنتفضين. يراد منهم استلهامُ الواقع من الأحلام. ويا لها من مهمة شاقة! فليس أشق على من يريد الحكم، تكليفا أو تشريفا أن يُضطلع بصناعة الأمل.

في بلا قيود أحاور هذا الأسبوع أحد المرشحين الخمسة لرئاسة جزائر ما بعد الانتفاضة. عز الدين ميهوبي، كانت مهمته عسيرة في ضد أسئلتي، المستلهمة في الأغلب من تصريحاته ومنافسيه. هل استدار للجزائر وجه بوتفليقة مجددا؟ هل تستقيم له الأمور أمام شعب آخر ما يريد لولبة الماضي القريب جدا. أي برنامج يتبناه ميهوبي أما أربعة مرشحين يحاولون جاهدين النأي بذواتهم الاعتبارية والشخصية عن بوتفليقة ما بعد جبهة التحرير؟ أي صراعات سيحسمها إن استطاع إليها سبيلا؟ وأي حلول على أي طاولة سيطرقها في الداخل والخارج؟ ما علاقته بالمؤسسة العسكرية وأي مسافة؟ وما كتلة الإقصاء والقمع في مستقبل يريد السيد ميهوبي أن يرسمه للجزائر؟ وماذا سيفعل بالأساس، ليرسم الأمل؟

برنامج بلا قيود يبث يوم الأحد الساعة الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي عربي ويعاد على مدار الاسبوع.