شكل تشييع المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي أول اختبار سياسي كبير للجمهورية الإسلامية بعد وفاته، وفرصة لصوغ معنى هذه الخسارة أمام الجمهور في الداخل والخارج.
وطغت صور الحشود التي ملأت شوارع طهران خلال التشييع على وسائل الإعلام الإيرانية على مدى أيام. ووصف التلفزيون الرسمي المراسم بأنها “تاريخية”، واحتفت صحف بما سمته “وداع القرن”، فيما قدم مسؤولون حجم المشاركة دليلاً على أن الجمهورية الإسلامية لا تزال موحدة رغم خسارة أعلى سلطة فيها.
وتحول التشييع، إلى جانب مشاهد الحداد، إلى واحدة من أهم عمليات بناء السردية التي نفذها النظام منذ سنوات. فكل تفصيل في المراسم، من الشعارات التي رددها المشيعون والرموز التي ظهرت خلالها، إلى حضور شخصيات أجنبية والتغطية الإعلامية الواسعة، بدا جزءاً من مشهد معد بعناية، يجمع رسائل سياسية متعددة.
صاغت المراسم، على امتدادها، المشاركة الشعبية بوصفها تجديداً للولاء للجمهورية الإسلامية، لا مجرد وداع لشخصية سياسية.
وعززت وسائل الإعلام الرسمية هذه السردية عبر تغطية متواصلة على مدى أيام، بثت خلالها صوراً مباشرة من طهران وقم ومشهد، ولاحقاً من مدينتي النجف وكربلاء المقدستين في العراق.
وكان الهدف من هذا التركيز واضحاً: فبرغم الحرب والعقوبات واغتيال المرشد الأعلى، أرادت الجمهورية الإسلامية إظهار أنها لا تزال قائمة وقادرة على العمل.
وتحولت أعداد المشاركين في تشييع خامنئي إلى محور سجال بين روايات متنافسة على وسائل التواصل الاجتماعي الإيرانية. فقد قال مؤيدون للمؤسسة الحاكمة إن عدد المشاركين وصل إلى 24 مليوناً على مدى أيام وفي مواكب عدة.
في المقابل، شكك منتقدون في هذه الأرقام واعتبروها مبالغاً فيها، مستندين إلى لقطات جوية وصور أقمار صناعية للقول إن الأعداد كانت أقل بكثير. وقدرت منصة “فاكت نامه” المتخصصة في التحقق، ومقرها خارج إيران، أن ذروة الحضور في مصلى طهران الكبير اقتربت من 300 ألف فقط، وأن إجمالي المشاركين لم يتجاوز على الأرجح مليوناً.