ليبيا: دراويش وجهاديون
- Author, رشا قنديل
- Role, لندن
- Published
بين طرائق ليبيا وجهادييها خط رفيع كالشرخ في الجمجمة، لا تراه عين الرائي، لكن يد الخبير تدركُهُ.
فالصوفية في ليبيا دائما ما أبهرتني... حالة شديدة الخصوصية... كان المريد أبو الحسن الشاذلي أكثر أرواحها شفافية... في القرن السابع كان الميلاد ولم تلفظ نفساً أخيراً إلى حيننا... العروسية والزروقية والعيساوية شقيقات غير متطابقات على التراب الليبي، لكن عينا لاتخطئ مالها من خشونة فلسفية تصقلها الصحراء، ذات الصحراء التي أنبتت أشواك السلفية الجهادية، شذبت أظاهر الدراويش وأحمت للجهاديين مخالبهم.
الشاهد أن بين الطرق الصوفية طريقة تسترعي النظر، إذ تتقاطع في خطوط تماسها الجغرافية مع أكثر الجماعات الجهادية شراسة إبان القذافي- الجماعة الليبية المقاتلة. السنوسية متنفذة في سرت وبنغازي وبين زواياها البيضاء والجغبوب السنوسية التي تأسست على يد صاحب الطريقة الشيخ محمد بن علي السنوسي سنة ،1837، ومحاها القذافي - أو هكذا تصور بالتنكيل والتصفية بعد انقلابه العسكري عام 1969 ضد الملك إدريس السنوسي، ومحا معها 330 زاوية كانت منارات للصوفة على مدار 120 سنة. ذات الأرض، في بنغازي، حملت الجماعة الليبية المقاتلة حينما كان أساسها في عام 1982 بقيادة عوض الزواوي، لكنها لم تتأسس بالمعنى التقني حتى 1995. الجماعة دون أن تبتغي أدارت دوائر الانتقام على من قضى على السنوسيين، إذ اعتمدت الجماعة المقاتلة خطة طويلة الأمد للتخلص من رمز الحكم، القذافي، وتأسيس نظام إسلامي، وفي سبيلها لذلك التحقت بالجهاديين العرب في أفغانستان واكتسبت من المهارات ما أهّلها لأكثر من جمع السلاح. بنغازي كانت نقطة رصد وترصد القذافي لهم في عام 1995، إذ طارد الأمن الجماعة قبل أن ترى في نفسها استعدادا للمواجهة فوق الأرض. صُفّي التنظيم بدءا من بنغازي في العام ذاته وحتى تصفية أبرز عناصره في درنة، لينتهي في العلن كل ذكر للجماعة الليبية المقاتلة في عام 1999.
في زليتن كذلك قصص تتوازى وتتوارى لتفسح البراح لذات المزاوجة، فعبد السلام الأسمر أسس في القرن التاسع الهجري في زليتن رمزية لطريقته سماها الأسمرية. وقفت الجامعة الأسمرية مقصدا للصوفيين والمريدين والأتباع، حتى اهتزت سكينة الصورة بصخب الجهاديين مؤخرا جدا. في عام 2013 غزا الجهاديون الأسمرية وفرضوا فيها وعليها تعاليم الجهاد الراديكالي وتوارى الطريق عن الرائي إلى حين.
حتى في مصراته ازدوجت الطريقتان المتنافرتان بين التأمل والقتال.. إذ عبر الشيخ أحمد زروق البرنسي أرجاء المدينة في القرن التاسع عشر، حاملا على ظهره حكايا وأدعية وأذكارا، لا يزال الليبيون يرددونها شرطا للوصول والوصل مع النبي محمد وآله. خبى نور الصوفة والتصوف في مصراتة ونبتت الجماعات الراديكالية شوكة في حلق الحكومة ذات الهوى الإسلامي، سيما بعد خسارتها الانتخابات بعد ثورة فبراير. سجلنا أن 236 كتيبة أسمت نفسها "اتحاد ثوار مصراتة" يقاتل بين جنباتها أربعون ألف عضو بحسب مراكز للرصد والتحليل قاتلت في مصراتة، على ذات التراب الذي داسه الشيخ زروق حاملاً أدعيته وأوراده. قيل إنها شكلت في مجملها قوات "درع ليبيا" متحالفة مع الجماعة الإسلامية المسلحة محاولة اكتساح طرابلس وبرقة سعيا فيما بعد للإطاحة بجهاديي الزنتان.
هكذا تدور رحى المتلازمة بين الدراويش والجهاديين على أشبار ليبيا.. وتزداد حيرتي.. كيف يمكن للصورتين التحقق بهذا البروز في كل مرة على نفس التراب؟ كيف، وقد حاورت عشرات الجهاديين السابقين والمسؤولين الليبيين الفصل في شخصية الليبي بين الدرويش والمقاتل؟
حاورت في 2016، وزير خارجية حكومة "الإنقاذ" آنذاك علي أبو زعكوك، عن شرق ليبيا وفقدان النفوذ في حين تحصنت نظيرتها في طبرق آنذاك، وكيف للعنف أن يمتزج بالرغبة في السلام. تشاهدونها هنا.
ثم القيادي السابق في الجماعة الليبية المقاتلة نفسها - وكيل وزارة الدفاع الليبية السابق خالد الشريف في ذات العام عن الجماعة ومراجعاتها بين موضوعات أخرى. تشاهدونها هنا.
في العام التالي 2017، سألت أحمد معيتيق نائب رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الليبية آنذاك عن حرب السلاح المدني وأتراحها. تشاهدونها هنا.
ومؤخرا سألت الدكتور محمد المفتي المؤلف والباحث الليبي عن المتلازمة بين الدرويش والمقاتل في شخصية الليبي وأجابني. تشاهدونها هنا.
هذا الأسبوع أحاور في بلا قيود د. عبد الرحمن السويحلي الرئيس السابق للمجلس الأعلى للدولة في ليبيا، أسأله عن مصير تبدو فيه كل يد حاملة للسلاح وإن لم تكن في عين غرمائها. وحجم مسؤوليته مسؤولا في المجلس الوطني الليبي بعد الثورة على القذافي عن فوضى السلاح. علاقته بقطر وحواره مع فرنسا التي يتهمها بعرقلة الحوار الليبي-الليبي لهما مساحة محترمة من الحوار. والأهم، حاولت قراءة ذات الخط شديد الخصوصية بين الوصول والقتال في الحالة الليبية الراهنة.
بلا قيود - الأحد الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي عربي.
________________________________________




















