You’re viewing a text-only version of this website that uses less data. View the main version of the website including all images and videos.
الواقع المعقّد للصور والإساءة عبر الإنترنت: "الأمر لا يتعلق بالعري فقط"
- Author, ميغا موهان
- Author, فاي نيرس
- Role, خدمة بي بي سي العالمية
- Published
- مدة القراءة: 9 دقائق
وفقاً لتقرير جديد صادر عن منظمة العدالة الجندرية (تشين)، فإن شركات التواصل الاجتماعي والسلطات تُخفق في حماية النساء من خلال تركيزها على العري بدلاً من الموافقة، عند التعامل مع الانتهاكات القائمة على الصور.
وتدعم هذه الانتقادات الممثلة الباكستانية عائشة عمر، التي ترد تجربتها، إلى جانب تجارب نساء أخريات، ضمن ما أورده التقرير.
تشرح إحدى النساء اللواتي يتمحور حولهن التقرير (تم تغيير اسمها إلى "مهنور" لحماية خصوصيتها) أن الصور التي غيّرت حياتها لم تكن عارية. ولم تكن ذات محتوى جنسي صريح. لقد أظهرت امرأة تكشف كتفيها العاريين وترتدي ملابس غربية.
وقالت مهنور الشابة الباكستانية البالغة من العمر 32 عاماً، لبرنامج BBC Global Women، إنها عادت إلى منزل طفولتها عندما انهار زواجها. وكانت تأمل أن تجد الراحة والدعم من عائلتها، لكنها وابنتها الصغيرة قوبلتا بالبرود والجفاء.
وقد مرّ أكثر من عام، ولا يزال والدها وإخوتها يرفضون التحدث معها. أما زملاؤها في العمل، الذين تعرفهم منذ سنوات، فلا ينظرون إليها حتى في عينيها.
كانت مهنور تتوقع طلاقاً صعباً. فلم يكن زواجها يوماً سهلاً. وتقول إن زوجها، الذي تزوجته في زواج تقليدي مرتب من قبل العائلتين، كان يسيء إليها لفظياً وجسدياً طوال علاقتهما. لكن أكثر ما كلّفها كان انكشاف عالمها الخاص.
وكحال كثير من الشابات، احتفظت مهنور بالعديد من صورها على هاتفها. فقد التقطت صوراً من حياتها اليومية، مثل عشاء جميل، أو صورة سيلفي عندما كانت الإضاءة مناسبة بشكل خاص.
وكان تاريخ الكثير من هذه الصور قديماً، ويعود إلى سنوات مضت.
إحداها كانت لها وهي تبتسم بعد قصة شعر جديدة. وأخرى أظهرتها خلال برنامج تبادل دراسي في الخارج مع أصدقائها. وكانت هناك صور سيلفي عادية أخرى وهي مستلقية على السرير، ترتدي قميصاً دون أكمام، وقد أغمضت عينيها لإبراز مكياج العيون الذي وضعته.
ولم تُنشر أي من هذه الصور علناً من قبل. وكانت نادراً ما تنشر صوراً على وسائل التواصل الاجتماعي، مراعيةً الثقافة المحافظة السائدة في مجتمعها في باكستان.
ووفقاً لمهنور، وهي محاضِرة جامعية، تمكن زوجها السابق من الوصول إلى حسابها على واتساب وصورها الخاصة، قبل أن يوزعها على أقارب ذكور وزملاء ومعارف.
وتقول مهنور إنه قام أيضاً بقص صور لها كانت تظهر فيها ضمن مجموعة من الأصدقاء، بحيث يبدو وكأنها تقف مع رجل واحد فقط، موحياً بأن بينهما علاقة عاطفية.
وتقول إن هذه الصور استُخدمت لتصويرها على أنها "امرأة سيئة السمعة"، وهو اتهام قد يترتب عليه، في كثير من المجتمعات، عواقب تغيّر مجرى الحياة، وأحياناً تكون قاتلة.
ومع أن أصدقاءها وعائلتها، وكذلك زملاءها في العمل، بالكاد يتفاعلون معها، تقول مهنور إنها فقدت مكانتها الاجتماعية وموقعها المؤثر الذي كانت تتمتع به سابقاً داخل مجتمعها.
وقالت لبي بي سي: "لقد فقدت صوتي. لم أعد أشعر بأنني مرئية".
وتضيف: "كانت عائلتي تحترمني في السابق، وكان إخوتي يحترمونني. أن يكون لصوتك قيمة واحترام لدى والديك أمر عظيم للغاية".
وتقول إن أفراد أسرتها كانوا يطلبون رأيها ونصيحتها في الماضي، لكن ذلك لم يعد يحدث الآن.
أما زوج مهنور السابق، فقد تزوج مرة أخرى الآن.
ما هي الإساءة القائمة على الصور؟
التقرير الذي يسلّط الضوء على قصة مهنور هو من إعداد "تشين"، وهي منظمة عالمية غير ربحية تدرس العنف القائم على النوع الاجتماعي.
وتجادل المنظمة بأن إساءة استخدام الصور يُساء فهمها باستمرار، سواء من السلطات أو من شركات التكنولوجيا، لأن هذه الجهات ما تزال تعرّف الضرر أساساً من خلال العري.
ويحمل التقرير عنوان "الأضرار الصريحة للصور غير الصريحة"، ويجادل بأنه بالنسبة إلى كثير من النساء، فإن صورة لامرأة ترتدي كامل ملابسها يمكن أن تكون لها عواقب مدمّرة بالقدر نفسه الذي تسببه صورة حميمة، داخل مجتمعاتهن الأوسع، التي تكون غالباً محافظة.
وقالت هيرا حسين، مؤلفة التقرير ومؤسسة تشين: "لا يجب أن تكون الصورة عارية لكي تكون مؤذية... في بعض الأحيان يمكن أن تكون مؤذية بالقدر نفسه، حتى لو لم يكن أي جزء من الجسد مكشوفاً".
وتابعت: "نريد إعادة تأطير النقاش حول إساءة استخدام الصور بعيداً عن العري، ليكون نحو الموافقة".
ولسنوات، تركزت النقاشات العامة حول إساءة استخدام الصور لما يُسمّى بالإباحية الانتقامية، والصور العارية المزيفة بتقنية التزييف العميق، والمحتوى الجنسي الصريح. لكن أبحاث تشين تشير إلى أن هذا الإطار يفوّت الكيفية التي تعمل بها وصمة العار والسمعة والضبط الاجتماعي في العديد من المجتمعات.
فالصورة التي تبدو عادية تماماً لشخص ما قد تحمل عواقب وخيمة لشخص آخر، من قبيل: مقطع فيديو يُظهر امرأة ترقص في حفل زفاف، صورة لامرأة على الشاطئ، صورة سيلفي تم تداولها من دون إذن.
مراعاة الحساسيات الثقافية
يجادل التقرير بأن الضرر غالباً لا يتحدد بما تحتويه الصورة، بل بسبب مشاركتها، ولمن تُرسل، وما العواقب التي تترتب على ذلك.
وأجرت تشين 64 مقابلة بين يوليو/تموز 2025 وفبراير/شباط 2026، وشمل المشاركون جميع المناطق الرئيسية في باكستان، بالإضافة إلى مجتمعات الشتات الباكستانية في المملكة المتحدة وكندا وألمانيا وماليزيا والإمارات العربية المتحدة والكويت.
ويوثّق البحث أنواع الصور التي كانت النساء تخشى رؤيتها متداولة: ظهور الشعر من دون غطاء للرأس، أو ارتداء ملابس غربية أو ضيقة، أو صورة التُقطت بجانب رجل ليس من الأقارب، أو لقطة شاشة لمحادثة ملفّقة، أو صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي انطلاقاً من صورة واحدة لوجه شخص ما. ولا تحتوي أي من هذه الصور على عري. ومع ذلك، يمكن استخدامها جميعها لنسج رواية مُسيئة أو مُضرّة.
وبالنسبة إلى عائشة عمر، فهذا الأمر ليس نظرياً. فالممثلة، التي عملت في صناعة السينما والتلفزيون في باكستان لأكثر من 20 عاماً، تقول إن صورها الخاصة سُرقت وتم تداولها قبل وقت طويل من جعل وسائل التواصل الاجتماعي مثل هذا الانكشاف أمراً شائعاً.
فقد أُخذت صور التُقطت لها خلال عطلة في تايلاند قبل أكثر من عقد من الزمن مع صديقة لها، على أحد الشواطئ، حيث كانت ترتدي ملابس سباحة من قطعة واحدة وسروالاً قصيراً، من حاسوبها المحمول من دون علمها، ثم نُشرت على الإنترنت.
وتقول عائشة: "كان ذلك مدمّراً جداً لمسيرتي المهنية".
وأضافت: "خسرت حملات إعلانية. وخسرت بعض فرص العمل".
ثم توقفت قليلاً قبل أن تضيف:
"لأنك في ثقافتي يجب أن تمتثل لصورة معينة، سواء كنت تمثل علامة تجارية أو تؤدي شخصية في التلفزيون. لذلك فقد ألحق بي ذلك ضرراً نفسياً وعاطفياً كبيراً".
وتقول إن هذه التجربة جعلتها "شديدة اليقظة"، بحيث أصبحت تراقب محيطها باستمرار بحثاً عن أشخاص قد يكونون يصورونها.
بالنسبة لهيرا حسين، فإن المجتمع يطرح الأسئلة الخاطئة عندما يتعلق الأمر بإساءة استخدام الصور. ويستند الإطار الذي تقترحه تشين إلى ثلاثة معايير: الضرر الواقع على الشخص، والنية الكامنة وراء مشاركة الصورة، وغياب الموافقة.
وتقول إنه في حالة مهنور، فإن المعايير الثلاثة جميعها متوافرة. وينطبق الأمر نفسه على الممثلة عائشة عمر، إذ كان للضرر عواقب ملموسة: خسارة العلاقات وخسارة الدخل.
وتقول هيرا حسين: "المبدأ هو الاحترام والكرامة والموافقة. هذه هي الأمور التي تهم".
ويجادل التقرير بأن هذا المبدأ تحديداً هو ما تفشل شركات التكنولوجيا والأنظمة التنظيمية في تطبيقه.
فعندما عرضت مهنور قضيتها على وكالة التحقيقات الفيدرالية الباكستانية، التي تعمل الآن تحت اسم الوكالة الوطنية للتحقيق في الجرائم الإلكترونية، أُبلغت بأن الصور لا تندرج ضمن اختصاصها لأنها ليست عارية ولا تتضمن محتوى جنسياً صريحاً.
وقد رُفضت شكواها الخطية، التي اطلعت عليها بي بي سي، على هذا الأساس.
وعندما تواصلت مع مزود خدمة الهاتف المحمول الخاص بها، تقول إنها أُبلغت بأنه لا يمكن فعل أي شيء ما لم تتمكن من تقديم شريحة الهاتف (SIM) المسجلة للحساب المخالف، وهي الشريحة التي كان زوجها السابق قد أخذها منها.
وقد تواصل برنامج BBC Global Women مع الوكالة الوطنية للتحقيق في الجرائم الإلكترونية في باكستان لطلب تعليق، لكنه لم يتلقَّ أي رد.
وتقول مهنور إنها أبلغت أيضاً عن الصور عبر عنوان البريد الإلكتروني المخصص لشكاوى العملاء في واتساب. وتقول إنها أُبلغت بأن الصور لا تنتهك قواعد المنصة. وبما أنها لم تعد تحتفظ بالمراسلات الإلكترونية، فلم يكن من الممكن التحقق مما قيل بالضبط.
ورفض واتساب التعليق على قضية مهنور، لكن متحدثاً باسمه أحال بي بي سي إلى إرشادات المنصة التي "توضح ما هو مسموح وما هو غير مسموح به".
ولا تتضمن هذه الإرشادات سياسة محددة بشأن إساءة استخدام الصور، لكنها تنص على أن واتساب يتعامل مع "الأشخاص المسيئين" لمنع "السلوك الضار تجاه الآخرين". كما تشير إلى أنها "غير ملزمة بالتحكم في تصرفات أو معلومات (بما في ذلك المحتوى) المستخدمين أو الأطراف الثالثة الأخرى".
ويستخدم واتساب تقنية التشفير التام بين الطرفين (End-to-End Encryption)، ولذلك لا يمكنه مراجعة الصور التي يرسلها المستخدمون بشكل استباقي.
وفيما يتعلق بالصور العارية أو ذات المحتوى الجنسي الصريح، تقول الشركة الأم لواتساب، ميتا:
"نحن ملتزمون بجعل فيسبوك وإنستغرام ومسنجر وثريدز أماكن آمنة. ونزيل المحتوى الذي قد يسهم في تعريض السلامة الجسدية للأشخاص للخطر".
"فشل نظامي"
لكن هيرا حسين تشعر بالقلق من أن الحساسيات الثقافية لا تحظى بالاعتراف الكافي من قبل شركات التكنولوجيا، حيث تُقيَّم الصور المُبلّغ عنها غالباً أولاً بواسطة أنظمة إشراف تعتمد على الذكاء الاصطناعي، تم تدريبها إلى حد كبير على اكتشاف العري.
وترى حسين أن تحديد الصور التي قد تكون ضارة أكثر تعقيداً بكثير من مجرد رصد الجلد المكشوف، وتقول إن المستخدم قد يحتاج إلى قدر كبير من الإصرار لضمان أن يقوم مشرف بشري بمراجعة الصورة.
وهناك مخاوف من عدم وجود إشراف بشري كافٍ، في وقت تعتمد فيه الشركات بشكل متزايد على الأدوات الآلية الأقل تكلفة، وتدمج الخبرات الإقليمية ضمن فرق تغطي مناطق شاسعة ومتنوعة للغاية.
فعلى سبيل المثال، كشف الرئيس التنفيذي لشركة سناب شات، في إفادة قُدمت إلى اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ الأمريكي، عن تخفيضات في فريق الثقة والسلامة بالشركة، حيث انخفض عدد العاملين في مجالي السلامة والإشراف من ذروة تجاوزت 3,000 موظف عام 2021 إلى نحو 2,226 موظفاً عام 2023، أي انخفاض بنسبة 27 في المئة.
ويريد الناشطون قلب المنطق الحالي. فبحسب حسين، تبدأ المنصات حالياً بالتحقيق أولاً ثم تزيل المحتوى. وهي تعتقد أنه ينبغي إزالة المحتوى أولاً لمدة 24 ساعة إلى حين المراجعة، ثم إجراء التحقيق لاحقاً.
وتتساءل: "ما الذي ستخسره؟".
وخلال المقابلة، أشارت حسين إلى قضية ظهرت للعلن عام 2017، قُتلت فيها ثلاث شقيقات في باكستان بعد تداول مقطع فيديو لهن وهن يغنين ويصفقن في حفل زفاف، وقد حُكم على ثلاثة من أقاربهن الذكور بالسجن المؤبد.
وفي الوقت نفسه، يقع عبء الإبلاغ بالكامل تقريباً على الضحية، إذ يتعين عليها العثور على الصور، ومشاهدتها مراراً وتكراراً، ثم تقديم بلاغ منفصل عن كل صورة، من دون وجود آلية سهلة لإزالة النسخ المتعددة دفعة واحدة.
وتقول حسين: "تمر بكل ذلك الاسترجاع المؤلم للصدمة، ثم قد لا تحصل حتى على أي رد".
ويخلص التقرير إلى أن هذا التمييز مهم للغاية لأن الضرر نادراً ما يقتصر على المرأة الظاهرة في الصورة.
ويشرح التقرير كيف يمكن لصورة مسرّبة أن تؤثر على الأسرة بأكملها: آباء يعجزون عن مواجهة زملائهم في العمل، وأخوات تنهار زيجاتهن، وأسر تُراقَب "بطريقة مشوبة بالعار".
فالشرف، في هذه المجتمعات، يُنظر إليه على أنه جماعي، كما أن التهديد بالعار الجماعي يُعد بحد ذاته أداة للسيطرة.
أما بالنسبة لمهنور، فإن تكلفة ما حدث تُقاس بالأشخاص الذين لم يعودوا يتحدثون إليها.
وابنتها، البالغة من العمر ثلاث سنوات ونصف، بدأت تلاحظ أن الأقارب الذين يسكنون في الطابق العلوي لا يحيّون والدتها.
أما الصور التي سلبتها صوتها، فكانت، وفق تعريف أي منصة رقمية، صوراً غير ضارة.
وتتعامل بعض الدول مع مشاركة الصور باعتبارها مسألة خصوصية. ففرنسا تعترف منذ زمن طويل بما يُعرف بـ "الحق في الصورة الشخصية"؛ إذ تنص المادة التاسعة من القانون المدني الفرنسي على أن لكل شخص، سواء كان شخصية عامة أو مواطناً عادياً، حقاً حصرياً في كيفية استخدام صورته، مع وجود استثناءات تتعلق بالأخبار والقضايا ذات المصلحة العامة الحقيقية. ومع ذلك، فإن الوزير الذي يقضي عطلة يحتفظ بحقه في الخصوصية.
أما الإمارات العربية المتحدة فتذهب إلى أبعد من ذلك، إذ تجرّم تصوير الأشخاص من دون موافقتهم حتى في الأماكن العامة، من دون وجود استثناء عام واسع يتعلق بالمصلحة العامة.
وتختتم هيرا حسين بالقول: "إن إساءة استخدام الصور أوسع وأكبر بكثير من مجرد الصور العارية"، مضيفة أن هناك "فشلاً منهجياً".
وتقول إن الشرطة والمحاكم ومنصات التكنولوجيا "جميعها قادرة على تقديم دعم أفضل بكثير للناجين".
وأضافت: "إذا كنتِ تتعرضين لإساءة استخدام الصور، فاعلمي أن ذلك ليس خطأك، وأنك لست وحدك، وأن هناك منظمات مثل تشين موجودة لدعمك".
- هذا التقرير جزء من سلسلة "نساء العالم" (Global Women) التابعة لخدمة بي بي سي العالمية، التي تسلط الضوء على قصص مهمة وغير مروية من مختلف أنحاء العالم.