هل تشهد المنطقة مواجهة مباشرة بين دول عربية وإيران؟

    • Author, يحيى كناكريه
    • Role, بي بي سي نيوز عربي
  • Published
  • مدة القراءة: 6 دقائق

تصل الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى أجواء دول عربية، والدفاعات الجوية تعترضها، لكن حكوماتها لا تزال تتجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران.

من الأردن إلى الخليج، يبدو أن المعادلة العربية حتى الآن تقوم على حماية الأجواء والمنشآت الحيوية، مع الاحتفاظ بحق الرد، "دون الانضمام إلى العمليات الهجومية أو الانجرار إلى حرب مفتوحة".

لكن إلى متى يمكن أن يستمر هذا التوازن؟ ومتى تصبح كلفة عدم الرد أكبر من كلفة المواجهة؟ وهل يمكن أن يؤدي سقوط ضحايا، أو استهداف منشآت حيوية، أو تهديد الممرات البحرية، إلى تغيير حسابات العواصم العربية ودفعها إلى مواجهة مباشرة مع إيران؟

وفي حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها، أعلن مجلس الوزراء المصري، الخميس، في بيان أسباب وقوع حريق على سفينة التغييز وسفينة التخزين الراسيتين بميناء دمياط شمالي البلاد.

وجاء في بيان للمجلس: "بعد السيطرة على الحريق الذي تعرضت له سفينتان في ميناء دمياط يوم 29 يوليو 2026، وبإجراء الجهات المعنية التحقيقات الأولية حول الحادث، تبين أنه ناتج عن طائرة مسيرة".

وأعلنت القوات الأمريكية والسعودية، الأربعاء، شنّ غارات على مقرات للحشد الشعبي العراقي الذي يضم مجموعات مسلحة موالية لإيران، مع انتقال رقعة الحرب في الشرق الأوسط من قتال مركزي مع طهران، إلى استهداف فصائل حليفة للجمهورية الإسلامية في المنطقة.

واستهدفت إيران خلال ضرباتها على الأردن، قوات أمريكية ما أسفر عن مقتل اثنين من أفرادها وفقدان آخر، كما اعترض الجيش الأردني صواريخ وطائرات مسيّرة، وفي البحرين، شملت الهجمات مناطق تضم منشآت عسكرية وقواعد تستضيف قوات أمريكية.

أما في الإمارات، فقد استهدفت منشآت استراتيجية وقواعد عسكرية، مع الإعلان عن اعتراض عدد من الهجمات.

وفي الكويت، أشارت التقارير إلى استهداف قواعد عسكرية وبعض مرافق البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك منشآت الكهرباء وتحلية المياه.

كما تعرضت قطر لهجمات استهدفت محيط قاعدة العديد الجوية، بينما شهدت المملكة العربية السعودية محاولات لاستهداف منشآت عسكرية ونفطية باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، مع نجاح الدفاعات الجوية في اعتراض عدد منها.

متى يصبح الخيار العسكري مطروحاً؟

يقول أستاذ القانون الدولي العام والباحث في العلاقات الدولية، البروفيسور الأردني عامر فاخوري، إن انخراط الدول العربية في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران سيظل مرهوناً بتصاعد الهجمات التي تستهدف المدن أو المطارات أو منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية.

وأوضح لبي بي سي أن الدول العربية تعتمد حالياً على منظومات الدفاع الجوي والسياسات الدبلوماسية لاحتواء الأزمة، إلا أن استمرار الاعتداءات أو توسعها "قد يدفعها إلى ممارسة حقها المشروع في الدفاع عن النفس"، بما يحفظ سيادتها ويمنع تكرار الهجمات.

وأشار إلى أن دول الخليج والأردن لم تشارك في أي عمليات هجومية ضد إيران، لكنها تحتفظ بحق الرد إذا تعرض أمنها الوطني لخطر مباشر، متوقعاً أن يكون أي تحرك عسكري مستقبلي - إذا دعت الضرورة إليه - منسقاً ويقتصر على حماية الأجواء والمنشآت الاستراتيجية وتعزيز قدرة الردع.

متى تصبح كلفة عدم الرد أكبر من كلفة الحرب؟

من جانبه، يرى أستاذ الدبلوماسية والدراسات الدفاعية بأكاديمية جوعان بن جاسم للدراسات الدفاعية، إبراهيم اسعيدي، أن احتمال المواجهة المباشرة سيصبح وارداً إذا تعرضت دولة عربية لهجوم واسع يهدد سيادتها أو منشآتها الحيوية أو أمن الممرات البحرية.

ورغم ذلك، يرجح لبي بي سي أن يقتصر أي رد على عمليات دفاعية محدودة ومدروسة، وليس الانخراط في حرب إقليمية شاملة، في ظل إدراك جميع الأطراف لما قد يترتب على ذلك من تداعيات أمنية واقتصادية خطيرة.

لماذا لا يوجد قرار عربي موحد بالحرب؟

ويشير اسعيدي إلى أن الحديث عن "العرب" باعتبارهم قوة عسكرية موحدة لا يعكس الواقع الحالي، مؤكداً أنه لا توجد منظومة دفاع عربي مشترك تمتلك مؤسسات قادرة على اتخاذ قرار جماعي بالحرب أو السلم.

وأوضح أن قرار استخدام القوة يظل قراراً سيادياً تتخذه كل دولة وفقاً لمصالحها الوطنية، حتى مع وجود مستويات من التنسيق السياسي أو الأمني بين الدول العربية.

وأضاف أن مجلس التعاون الخليجي حقق تقدماً في التعاون العسكري، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة القيادة العسكرية الموحدة بسبب اعتبارات السيادة واختلاف أولويات الدول وتقييمها للتهديدات.

الخليج يراقب، والخيارات مفتوحة

بدوره، أكد الباحث في العلاقات الدولية السعودي مبارك آل عاتي أن دول الخليج تواصل متابعة تطورات الأزمة وتقييم انعكاساتها على أمنها القومي، مشيراً إلى أنها تحتفظ بخيارات استراتيجية متعددة يمكن اللجوء إليها إذا تعرضت مصالحها أو مقدراتها الاقتصادية أو أمنها الوجودي لتهديد مباشر.

وأضاف لبي بي سي أن الخيار المفضل في المرحلة الحالية يتمثل في مواصلة سياسة ضبط النفس وتعزيز القدرات الدفاعية، مع تجنب الانخراط في مواجهة عسكرية واسعة.

لماذا تتجنب الدول العربية الحرب؟

يرى البروفيسور علي الهيل، أستاذ العلوم السياسية بجامعة قطر، في حديثه لبي بي سي أن دخول الدول العربية في مواجهة مباشرة مع إيران سيكون "خطأً استراتيجياً"، موضحاً أن تجنب الحرب يعود إلى الرغبة في تفادي الاستنزاف العسكري والسياسي والاقتصادي، وعدم توسيع دائرة الصراع الإقليمي.

من جهته، يؤكد فاخوري أن امتناع الدول العربية عن المواجهة لا يعكس ضعفاً عسكرياً، وإنما يستند إلى حسابات دقيقة تهدف إلى حماية السكان والاقتصاد والبنية التحتية، خاصة أن دول الخليج تعد من أهم المراكز المالية والاستثمارية في المنطقة.

كما يشير إلى أن تنفيذ أي عمليات داخل الأراضي الإيرانية قد يؤدي إلى تصعيد واسع يصعب احتواؤه، ما يجعل سياسة ضبط النفس الخيار الأكثر واقعية في المرحلة الحالية.

هل تشكل إسرائيل عقبة أمام أي مشاركة عربية؟

يرى أستاذ الدبلوماسية والدراسات الدفاعية إبراهيم اسعيدي، أن مشاركة إسرائيل في أي مواجهة ضد إيران تزيد تعقيد القرار العربي سياسياً واستراتيجياً، إذ إن معظم الدول العربية تركز على حماية أمنها الوطني واستقرارها الاقتصادي، وليس الانخراط في تحالفات هجومية.

وأضاف أن المشاركة العسكرية إلى جانب إسرائيل تحمل كلفة سياسية وشعبية مرتفعة، ما يجعل الحكومات أكثر تمسكاً بسياسة الاحتواء والردع بدلاً من الانخراط في حرب مفتوحة.

ويتفق فاخوري مع هذا الطرح، موضحاً أن أي تحرك عربي متزامن مع العمليات الإسرائيلية قد تستغله إيران لتصويره باعتباره تحالفاً ضدها، إلا أنه شدد على ضرورة التمييز بين المشاركة في عمليات هجومية وبين ممارسة الدول العربية حقها السيادي في الدفاع عن أراضيها وفقاً للقانون الدولي.

موقف عربي رافض للتصعيد

وفي السياق ذاته، يشير آل عاتي إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد إيران "لم تحظَ بتأييد الدول العربية أو الإسلامية"، موضحاً أن المملكة العربية السعودية وعدداً من الدول العربية أعلنت مواقف رافضة للتصعيد.

ويرى أن هذا الموقف، إلى جانب تعقيدات المشهد الإقليمي، يدفع الدول العربية إلى مواصلة سياسة عدم الانخراط في عمليات هجومية ضد إيران، مع الإبقاء على حقها في الدفاع عن أمنها الوطني إذا تعرض أمنها لتهديد مباشر.

وتتفق آراء الخبراء الذين تحدثت إليهم بي بي سي على أن احتمالات دخول الدول العربية في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران لا تزال محدودة في الظروف الحالية.

إذ إلى الآن، تبدو الدول العربية "حريصة" على إبقاء المواجهة مع إيران في إطار الدفاع عن أراضيها ومصالحها، من دون التحول إلى طرف مباشر في حرب إقليمية مفتوحة.

لكن هذا الموقف ليس ثابتاً بالضرورة. فاستمرار الهجمات أو اتساع نطاقها، خصوصاً إذا طالت المدن أو منشآت الطاقة أو الممرات البحرية، قد يغيّر حسابات بعض العواصم، ويجعل الرد العسكري خياراً أكثر احتمالاً.

وبينما تملك الدول العربية خيارات متعددة، من تعزيز الدفاعات إلى التحرك الدبلوماسي والرد المحدود، يبقى الخيار الأكثر كلفة هو الانخراط في حرب شاملة مع إيران.

ولهذا، يبدو أن المعادلة الحالية تقوم على محاولة حماية الأمن والسيادة، من دون تجاوز الخط الذي قد يحوّل دول المنطقة من أهداف للهجمات إلى أطراف مباشرة في الحرب.