جيريمي بوين: حرب إيران كشفت حدود السيطرة الأمريكية

    • Author, جيريمي بوين
    • Role, محرر الشؤون الدولية – بي بي سي بيروت
  • Published
  • مدة القراءة: 6 دقائق

تُعدّ الحرب مع إيران أسوأ خطأ ارتكبه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على صعيد السياسة الخارجية - حتى الآن.

خطأٌ في ظِلّه أصبحتْ مهمّة ردع الأعداء أصعب على الولايات المتحدة، كما أضرّ بتحالفات واشنطن مع عواصم الخليج العربية المنتجة للنفط، التي تضررتْ صورتُها كجُزر مستقرّة وسط اضطراب الشرق الأوسط – تلك الصورة التي تحتاج إلى سنوات كي تعود إلى سابق عهدها.

وداخلياً، يتباحث مسؤولو تلك الدول بشأن تنويع تحالفاتهم، وبشأن حتمية إيجاد طرق للتعايش في جوار إيران. وعن كثب، هنالك الصين تراقب الموقف بعد أن كشفتْ الولايات المتحدة عن حدود قدراتها ودمّرت بنفسها قدراً من ترسانة أسلحتها من الصعب تعويضه بسهولة.

وإذا لم يعترض طارئ في اللحظة الأخيرة طريق الاتفاق، فسوف يُسدل الستار على حرب اندلعت على ضوء قراءة أمريكية وإسرائيلية خاطئة لقُدرات طهران.

مثل هذا الاتفاق كفيل بأن يطلق نفَس ارتياحٍ عميقاً ظلّ محبوساً في نفوس أولئك الذين قلبتْ الحربُ حياتهم رأساً على عقب – وفي مقدمتهم المدنيون الذين يعيشون على خط النار.

بموجب الاتفاق، يُعاد فتْح مضيق هرمز، حسبما يقول ترامب، مُخففاً الضغط عن كاهل الاقتصاد العالمي وعن كاهل مئات الملايين المتضررين جرّاء ذلك حول العالم.

آلاف الأرواح أُزهقت في الشرق الأوسط، ودُمّرت منازل وشركات، كما تُنذر آثار إغلاق المضيق في وجه المخصّبات الزراعية التي كانت تعْبر من خلاله بأنّ وحْش الجوع ينتظر في وقت لاحق مواجهة فقراءٍ حول العالم - لا سيما في أفريقيا جنوب الصحراء.

وليس الاتفاق صفقة سلام؛ ولم نطّلع بعدُ على نصّه الكامل الذي يقول المتفاوضون إنه يحتوي على 14 نقطة تقع في صفحتين.

لكنْ بالإضافة إلى إعادة فتْح مضيق هرمز، فإنّ مذكرة التفاهم تمدّد وقْف إطلاق النار كما ترفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية.

فيما يُرحّل الاتفاق أكثرَ القضايا صعوبة إلى مفاوضات مستقبلية؛ ضمن أجندة ستتضمن مستقبل برنامج إيران النووي ومستوى تخفيف العقوبات عن إيران في مقابل تقديمها تنازلات.

لتصل، أخيراً، الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل في الـ 28 من فبراير/شباط إلى نهاية.

والآن، لنعيد عقارب الساعة إلى الوراء، وتحديداً إلى يوم الـ 27 من فبراير/شباط حيث القوات الأمريكية والإسرائيلية تتأهب للقيام بضربة، وتجهّز سلاحها الجوي وتُخْطر طواقم هذا السلاح بالتعليمات وتحدّد أهداف صواريخه.

في ذلك الوقت، كانت إيران تنخرط بـ جنيف في محادثات مع الولايات المتحدة قيل للعالم وقتها إنها ضرورية وتستهدف كبْح جماح الطموح النووي الإيراني.

مصادر عديدة في ذلك الحين أبلغتْني أنا وآخرين بأن المفاوضين الإيرانيين كانوا يصدّقون أنهم في عملية جادة ومن ثمّ فقد وَضعوا تنازلاتهم إلى جانب مطالبهم على طاولة التفاوض.

وكان مضيق هرمز حينئذ لا يزال مفتوحاً يسمح بمرور نحو 20 في المئة من احتياجات العالم من النفط والغاز الطبيعي، فضلاً عن مشتقات الصناعات البتروكيماوية والتي أصبحت بمثابة ضروريات للحياة العصرية – بما في ذلك المخصبات الزراعية وأشباه الموصلات.

وتمهّد مذكرة التفاهم الطريق أمام المفاوضين النوويين لكي يجتمعوا من جديد وكذلك أمام السُفن لكي تعاود العبور مجدداً – على غرار ما كان عليه الوضع قبل 24 ساعة من بدء الحرب.

وفي أول موجة من الهجمات المفاجئة، قتلتْ إسرائيل المرشد الأعلى الإيراني على خامنئي ومستشارين مقربين منه، وفي الوقت ذاته سوّتْ ضربة أمريكية مدرسة في منطقة ميناب جنوبي إيران بالأرض – بحسب ما أظهرت تحقيقات عديدة.

ولقي أكثر من 150 مدنياً مصرعهم، بما في ذلك 120 تلميذاً على الأقل – معظمهم فتيات لم تتجاوز أعمارهن الـ 12 ربيعاً.

وسارع ترامب ورئيس الورزاء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الظهور في مقاطع فيديو مُعلنَين بدء حرب كانا يعتقدان أنها ستكون قصيرة وحاسمة ومُكلّلة بالظفر – وقد أثبتتْ الأيام خطأ هذه التقديرات على نحو مذهل.

وفي خطاباتهما، تنبّأ ترامب ونتنياهو بسقوط النظام في طهران، ولكن ما حدث هو أن الضربة التي لم تَقضِ على النظام تركتْه أقوى مما كان – في أسوأ سيناريو كان يمكن أن يتصوّره مَن قاموا بالتخطيط لهذه الحرب.

وسرعان ما تبدّلت الوجوه في طهران؛ ليخلف مجتبى خامنئي أباه في منصب المرشد الأعلى وليلتفّ مِن حوله جيلٌ من قيادات الحرس الثوري الإيراني - أكثر شباباً وحيوية ممن سقطوا بالأمس.

هؤلاء القادة الجُدد يعتنقون المبادئ ذاتها التي كان يعتنقها الحرس القديم، ولكنهم أقلّ حذراً وأكثر جرأة على المخاطرة من أسلافهم.

ولقد نفّذ هؤلاء استراتيجية مدروسة بعناية لإغلاق مضيق هرمز ولمهاجمة جيران إيران من العرب بالإضافة إلى مهاجمة قوات وقواعد أمريكية، فضلاً عن مهاجمة إسرائيل ذاتها.

وسرعان ما تكشّفتْ المبالغات التي انطوت عليها تصريحات وزير الدفاع الأمريكي بيتر هيغسيث في ما يتعلق بالقوة الأمريكية التي شلّت القوات المسلحة الإيرانية.

ورغم أنها شاركت الولايات المتحدة بشكل كامل في الحرب، فقد جرى استبعاد إسرائيل من المفاوضات الخاصة بمذكرة التفاهم - التي تنظر إليها إسرائيل باستياء.

وفي يوم الـ 28 من فبراير/شباط، قال نتنياهو إنه انتظر طوال عمره السياسي هذه الفرصة لتدمير الجمهورية الإسلامية – التي يرى فيها أخطر أعداء إسرائيل.

وها هو نتنياهو اليوم في مرمى هجمات خصومه السياسيين ممّن يتهمونه بالمخاطرة بأمن إسرائيل.

وسيبقى نتنياهو يلاطم أمواج تلك الاتهامات حتى يحين إجراء الانتخابات العامة المزمعة قبل نهاية أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

وثمة حجر عثرة محتمَل، يتمثل في تصميم إسرائيل المعلَن على المضيّ قدماً في احتلال مساحة كبيرة من الأرض في جنوب لبنان – حيث طردتْ إسرائيل بالفعل سُكاناً مدنيين كما دمّرت آلاف المنازل.

وفي ذلك، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي أن بلاده ستواصل احتلال أراضٍ في كل من لبنان وسوريا وغزة "لحين إشعار آخر".

ويواجه نتنياهو ضغوطاً من متشددين في حكومته ومن خصومٍ سياسيين يطالبون باتخاذ موقفٍ أكثر عنفاً في لبنان – حتى إن البعض ذهب إلى المطالبة بضمّ كل جنوب لبنان إلى إسرائيل.

وسنرى، ما إذا كان في مقدور نتنياهو المجازفة بإلحاق مزيد من الضرر بالتحالف الإسرائيلي-الأمريكي عبر تحدّي ترامب – الذي عبّر بالفعل عن إحباطه من نتنياهو في عدد من الحوارات داخل الولايات المتحدة.

وشنّت إسرائيل غارة جوية على الضواحي الجنوبية لبيروت يوم الأحد في محاولة واضحة لإفشال المفاوضات في لحظة قاتلة، لكن ما حدث أنها عجّلت خطاها فيما يبدو.

لدينا الآن وقت لالتقاط الأنفاس؛ ومن السابق لأوانه الفصل بأن مذكرة التفاهم ستُفضي إلى صفقة كبرى بين واشنطن وطهران.

صفقة كهذه "جديرة بتغيير وجه الشرق الأوسط" - لكن الأيديولوجيا وانعدام الثقة يجعلان من تحقيق تلك الصفقة "ضرباً من الخيال".

وهذه حقيقة مؤسفة لكل المعنيّين بالأمر؛ فالإيرانيون - الذين وعدهم ترامب يوم الـ 28 من فبراير/شباط بالحرية - لا يزالون محكومين بنظام لا يعرف الرحمة حتى أنه قتل في يناير/كانون الثاني الماضي آلاف المواطنين لا لشيءٍ إلا لأنهم خرجوا إلى الشوارع متظاهرين.

ولا تزال أمريكا تحظى بقوة اقتصادية وعسكرية هائلة، لكن قرار ترامب المتسرّع بالذهاب إلى الحرب ضد إيران جعل الأمر يبدو كما لو أنّ قوة عُظمى تصارع من أجل الاحتفاظ بهيمنتها على عالم يشهد تغييراً.