أنت تشاهد نسخة نصية فقط من هذا الموقع تستخدم بيانات أقل. شاهد النسخة الرئيسية للموقع التي تتضمن جميع الصور ومقاطع الفيديو.
هل تستعد مصر لاستقبال رئيس جديد في 2030؟
- Author, أحمد عمر
- Role, بي بي سي نيوز عربي - القاهرة
- Published
- مدة القراءة: 6 دقائق
أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنه لن يسمح بالمساس بالدستور، مشدداً على أنه سيواصل العمل حتى اليوم الأخير من ولايته الرئاسية عام 2030، في تصريحات تأتي وسط حملات إلكترونية تطالب بتعديل الدستور للسماح له بالترشح لولاية جديدة.
وقال السيسي، خلال الندوة التثقيفية التي نظمتها القوات المسلحة بمناسبة ذكرى حرب أكتوبر، في 14 أكتوبر/تشرين الأول، إن مصر لديها دستور وافق عليه المصريون، مضيفاً: "محدش هيمسّه". وكرر تأكيده، خلال مشاركته في احتفال أكاديمية الشرطة في اليوم التالي، أنه سيعمل حتى نهاية مدته الرئاسية.
وأثارت التصريحات ردود فعل متباينة في الأوساط السياسية، بين ترحيب باعتبارها تأكيداً على احترام القواعد الدستورية، ومطالبات بترجمتها إلى خطوات عملية تضمن التداول السلمي للسلطة، في حين استعاد آخرون تجربة التعديلات الدستورية التي أُقرّت عام 2019، وأتاحت للسيسي البقاء في الحكم حتى عام 2030.
وبموجب النص الدستوري الحالي، لا يحق للسيسي الترشح لولاية جديدة بعد انتهاء ولايته الثالثة عام 2030.
ووفق بيان رئاسي، حذّر السيسي من حملات التضليل عبر منصات التواصل الاجتماعي، مشيراً إلى أنه "حتى في الستينيات والسبعينيات كانت توجد حرب نفسية ولكن بوسائل مختلفة"، وأضاف: "سوف تستمر"، موضحاً أنها "تستهدف إرادة المصريين".
فهل تمهد التصريحات لمرحلة سياسية جديدة بعد انتهاء الولاية الحالية؟ وما الذي تحتاج إليه الأحزاب والمعارضة للاستعداد لانتخابات رئاسية مقبلة؟
ترحيب حذر
رحبت الحركة المدنية الديمقراطية، وهي أكبر تجمع لأحزاب المعارضة المصرية، بتصريحات السيسي، ووصفتها بأنها خطوة إيجابية تعزز احترام النصوص الدستورية.
وقالت الحركة، في بيان، إن الرهان الحقيقي لإحداث انفراجة سياسية واجتماعية يتمثل في احترام الدستور وتفعيله، والتداول السلمي للسلطة، معتبرة أن ذلك يمثل مدخلاً لتوسيع المجال العام أمام الأحزاب والنقابات والإعلام ومنظمات المجتمع المدني.
وأعربت الحركة عن تطلعها إلى أن تتحول تصريحات الرئيس إلى التزام عملي يتيح للمصريين المشاركة في صياغة مستقبل بلادهم.
ويرى الدكتور عماد جاد، المستشار في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، أن الدعوات إلى تعديل الدستور ظهرت في سياق يتسم بتدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب الغضب من أداء الحكومة.
ويعتقد جاد أن هذه الدعوات باتت تمثل عبئاً على الدولة ومؤسساتها، وأن تصريحات السيسي قد تعكس توافقاً داخل مؤسسات الدولة على استبعاد خيار تعديل الدستور في الوقت الراهن.
لكنه يرى أن دلالة التصريحات ستتوقف على ما ستكشف عنه التطورات المقبلة، محذراً من أن التراجع عنها، إذا حدث، لن يمر بالضرورة بهدوء، خصوصاً لدى من استقبلوها باعتبارها مؤشراً إيجابياً.
أما الكاتب والباحث في علم الاجتماع السياسي عمار علي حسن، فيرى أن التجارب السابقة تفرض الحذر قبل استخلاص نتائج نهائية من التصريحات. ويستعيد حسن النقاش الذي سبق تعديلات عام 2019، حين انتهى الجدل إلى إقرار تغييرات دستورية أتاحت للسيسي الترشح لولاية رئاسية ثالثة.
وبحسب حسن، لا يتعلق الأمر بالتصريحات وحدها، بقدر ما يتعلق بما إذا كانت ستتبعها خطوات عملية تؤكد الالتزام بها.
تجربة 2019.. لماذا يستعيد المعارضون الماضي؟
تكتسب تصريحات السيسي الأخيرة أهمية إضافية في ضوء تعديلات دستورية سابقة غيّرت قواعد مدد الرئاسة.
فقد نص دستور عام 2014، في صيغته الأصلية، على أن مدة ولاية رئيس الجمهورية أربع سنوات، وأنه لا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرة واحدة.
لكن تعديلات أُقرت عام 2019 رفعت مدة الولاية الرئاسية إلى ست سنوات، وأتاحت للسيسي الترشح لولاية ثالثة، بعد إعادة ترتيب المدد الرئاسية المطبقة عليه. وبموجب هذه التعديلات، بدأت الولاية الحالية في أبريل/نيسان 2024، ومن المقرر أن تنتهي عام 2030.
وكان السيسي قد قال، في مقابلة مع شبكة "سي إن بي سي" الأمريكية عام 2017، إنه يؤيد الالتزام بفترتين رئاسيتين مدة كل منهما أربع سنوات، ولا يؤيد تغيير هذا النظام. لكن تعديلات 2019 غيّرت القواعد الدستورية المنظِمة لمدة الرئاسة.
وتفسر هذه التجربة، بحسب عمار علي حسن، الحذر من الاكتفاء بالتأكيدات اللفظية، وتعيد النقاش إلى ما إذا كانت التصريحات الحالية ستترجَم إلى التزام فعلي بالقواعد الدستورية.
ويقول المحامي والسياسي المصري طارق العوضي إن تصريحات الرئيس مطمئنة، لكنها تحتاج إلى تأكيد على أرض الواقع، بما يضمن أن يصبح التداول السلمي للسلطة ممارسة فعلية، لا مجرد مبدأ دستوري.
هل تستطيع القوى السياسية الاستعداد لانتخابات 2030؟
إذا انتهت الولاية الرئاسية الحالية في موعدها الدستوري عام 2030، فهل تملك القوى السياسية المصرية الوقت والقدرة اللازمين للاستعداد لانتخابات تنافسية؟
يرى عمار علي حسن أن السنوات المتبقية تتيح للقوى المدنية والمعارضة فرصة للعمل على تقديم شخصيات وبرامج بديلة، وبناء قاعدة جماهيرية قادرة على دعمها في الانتخابات المقبلة.
ويقول إن المطلوب هو تجاوز التمركز حول شخصيات محدودة، وتقديم تصورات وبرامج بديلة يمكن أن تحظى بقبول قطاعات من المصريين، مع السعي إلى بناء كتلة شعبية داعمة لهذه القوى.
ولا ينبغي، بحسب حسن، أن يقتصر البحث عن بدائل على الشخصيات المعروفة إعلامياً؛ إذ يرى أن هناك كفاءات وخبرات في مختلف المهن والمؤسسات يمكن أن تسهم في الحياة السياسية إذا أتيحت لها الفرصة.
لكن حسن يشير إلى أن المعارضة أُنهكت وعُزلت وشُوّهت، وأن إمكاناتها المادية تراجعت بشدة، وهو ما يحد من قدرتها على التحرك والتأثير. ويرى أن عليها، رغم ذلك، العمل على تشكيل ضغط سياسي من أجل الالتزام بما أعلنه الرئيس.
وتتصل هذه التحديات، بحسب تقارير حقوقية، بالقيود المفروضة على المجال العام وحرية التعبير والعمل السياسي والصحفي. فقد صنفت منظمة فريدوم هاوس مصر باعتبارها دولة "غير حرة" في تقريرها عن الحريات لعام 2026، مشيرة إلى محدودية المعارضة السياسية الفاعلة والقيود المفروضة على الحريات المدنية والإعلام وحرية التجمع.
كما جاءت مصر في المرتبة 169 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026، الذي تصدره منظمة مراسلون بلا حدود. وقالت المنظمة إن التعددية الإعلامية في مصر تكاد تكون غائبة، وإن الصحفيين يواجهون ضغوطاً تحد من قدرتهم على العمل باستقلالية.
وفي هذا السياق، يربط طارق العوضي بين استعداد القوى السياسية للانتخابات وتوفير مناخ يسمح للأحزاب والمعارضة بممارسة دورها.
ويقول العوضي إن المسؤولية لا تقع على الدولة وحدها، بل تشمل أيضاً القوى السياسية التي يتعين عليها الاستعداد من الآن للاستحقاق الرئاسي المقبل. لكنه يرى أن ضمان التداول السلمي للسلطة يتطلب مؤسسات قوية، وأحزاباً فاعلة، ومعارضة سلمية، وانتخابات حقيقية تتوافر فيها ضمانات النزاهة وتكافؤ الفرص.
ويضيف أن المناخ السياسي يحتاج إلى انفتاح حقيقي وتوسيع المجال العام، وإطلاق سراح سجناء الرأي الذين لم تتلوث أيديهم بالدماء، وتمكين الأحزاب من ممارسة دورها، وإتاحة المجال أمام وسائل الإعلام لعرض وجهات النظر المؤيدة والمعارضة.
ويشدد العوضي على ضرورة عدم التعامل مع المعارضة السلمية باعتبارها خصماً للدولة، مع مراعاة التحديات الأمنية والإقليمية التي تواجهها مصر.
ما الذي يتطلبه التداول السلمي للسلطة؟
بالنسبة إلى العوضي، تحمل تصريحات السيسي دلالة سياسية ودستورية مهمة، لكنها تحتاج إلى ما يؤكد الالتزام بها على أرض الواقع. ويضع في مقدمة هذه الضمانات توفير بيئة سياسية تتيح للأحزاب العمل والتواصل مع المواطنين، وتسمح بوجود وجهات نظر مختلفة في المجال العام.
أما عماد جاد، فيرى أن إحداث تغيير حقيقي في الحياة السياسية يتطلب خطوات تتجاوز التصريحات، من بينها تشكيل حكومة جديدة، وفتح المجال العام، وتعزيز الفصل بين السلطات.
ويشير جاد إلى ما يراه من تداخل بين صلاحيات السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، معتبراً أن معالجة هذا الوضع تمثل جزءاً من أي تصور جاد للإصلاح السياسي.
ويربط جاد بين هذا المسار والأوضاع الاقتصادية، قائلاً إن الضغوط المعيشية وارتفاع الأسعار والغضب من أداء الحكومة أسهمت في تصاعد الحديث عن تعديل الدستور.
ويتفق عمار علي حسن مع أهمية الربط بين المسارين السياسي والاقتصادي، معتبراً أن وجود حياة سياسية تتسم بقدر من المرونة والأمل يمكن أن ينعكس إيجاباً على الأوضاع الاقتصادية.
وشهدت مصر في يناير/كانون الثاني 2011 احتجاجات شعبية أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك، فيما عزل الجيش الرئيس المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي في يوليو/تموز 2013، إثر احتجاجات شعبية حاشدة ضد حكمه.