بوني تايلر... الصوت الأجش الذي غيّر الأغنية العاطفية الصاخبة

المغنية الويلزية بوني تايلور خلال إحدى حفلاتها عام 1980.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، توفيت بوني تايلور، واسمها الحقيقي غاينور هوبكنز، عن 75 عاماً.
Published
مدة القراءة: 5 دقائق

كان يكفي أن تنطق بوني تايلور بالكلمات الأولى من أغنية حتى يصبح التعرف إلى صاحبة الصوت أمراً شبه محسوم.

ذلك الصوت الأجش، المشبع بخشونة غير مألوفة وبإحساس يوحي بأن كل كلمة تُنتزع من تجربة شخصية مؤلمة، حمل المغنية الويلزية من نوادي جنوب ويلز الصغيرة إلى صدارة قوائم الأغاني في بريطانيا والولايات المتحدة، وجعل أغنياتها جزءاً من الذاكرة العالمية لموسيقى البوب والروك.

توفيت تايلور، واسمها الحقيقي غاينور هوبكنز، عن 75 عاماً في مستشفى بمدينة فارو البرتغالية في الثامن من يوليو/تموز 2026، بعد مضاعفات أعقبت جراحة طارئة في الأمعاء.

وكانت قد خضعت للعلاج في البرتغال، حيث أمضت فترات طويلة من حياتها، ودخلت في غيبوبة طبية قبل أن تتحسن حالتها لفترة وجيزة، وفقاً لما أعلنته عائلتها وفريقها.

برحيلها، تخسر موسيقى الثمانينيات واحداً من أكثر أصواتها تميزاً، وفنانة صنعت حضوراً باقياً بعدد محدود من الأغنيات التي صمدت أمام اختبار الزمن، ووجدت طريقها إلى أجيال جديدة عبر الأفلام والإعلانات وبرامج المواهب ومنصات الاستماع.

بدايات صعبة

بوني تايلور في صورة تعود إلى نحو عام 1975.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، بوني تايلور في السبعينيات

ولدت غاينور هوبكنز في 8 يونيو/حزيران 1951 في قرية سكوين، قرب مدينة نيث في جنوب ويلز، ونشأت في أسرة تضم ستة أبناء. كان والدها يعمل في مناجم الفحم، وعاشت العائلة بعيداً عن عالم الشهرة الذي ستدخله لاحقاً.

غنت أمام الجمهور للمرة الأولى في كنيسة، ثم تركت المدرسة في السادسة عشرة وعملت في متجر. وبعد مشاركتها في مسابقة محلية للمواهب، بدأت تفكر جدياً في احتراف الغناء.

حلت في المركز الثاني، ورأت في النتيجة بداية لمسيرتها. عملت مغنية مساندة، ثم أسست فرقة باسم Imagination (خيال)، وأمضت سنوات تغني في حانات جنوب ويلز ونواديها الليلية.

وخلال إحدى الحفلات، لفت صوتها انتباه مكتشف للمواهب، فوقعت عقداً مع شركة RCA في منتصف السبعينيات. وطلب منها اختيار اسم فني، فاستقرت على بوني تايلور، الذي سرعان ما طغى على اسمها الأصلي.

جاء نجاحها الأول عام 1976 مع أغنية Lost in France (ضائعة في فرنسا)، ثم حققت في العام التالي انطلاقتها الأوسع مع It's a Heartache (إنه ألم في القلب).

انتشرت الأغنية على نطاق واسع في أوروبا والولايات المتحدة، وأصبحت من أبرز محطات مسيرتها.

أما خشونة صوتها الشهيرة، فجاءت بعد جراحة لإزالة عقد من أحبالها الصوتية. وتقول تايلور إنها لم تلتزم فترة الصمت التي أوصى بها الأطباء، فتركت العملية أثراً دائماً في صوتها.

خشيت في البداية أن تكون مسيرتها قد انتهت، ثم تحولت تلك الخشونة إلى السمة الأبرز في صوتها وهويتها الفنية.

الأغنية التي صنعت شهرتها

المغنية الويلزية بوني تايلور ايلر خلال تصوير فيديو "أنتظر بطلاً"، الأغنية التي استُخدمت في فيلم "فوتلوس" عام 1984.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، بوني تايلور في الفيديو المصور لأغنية "أنتظر بطلاً" عام 1984، التي أصبحت من أبرز أغنيات مسيرتها.
تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

مع بداية الثمانينيات، كانت تايلور تسعى إلى تجاوز صورتها كمغنية بوب متأثرة بموسيقى الكانتري، والانتقال إلى أعمال أوسع وأكثر درامية. وقادها هذا التوجه إلى المؤلف والمنتج الأمريكي جيم ستاينمان، المعروف بأعماله المسرحية مع المغني ميت لوف.

وأثمر تعاونهما أغنية Total Eclipse of the Heart (كسوف كلي للقلب)، التي صدرت عام 1983 ضمن ألبوم Faster Than the Speed of Night (أسرع من سرعة الليل).

تصدرت الأغنية قائمة المبيعات في بريطانيا، وبقيت أربعة أسابيع في المركز الأول في الولايات المتحدة، كما احتلت الصدارة في عدد من الدول الأخرى. وتجاوزت مبيعاتها العالمية ستة ملايين نسخة، ورشحت تايلور عنها لجائزة غرامي لأفضل أداء غنائي نسائي في موسيقى البوب.

ودخل الألبوم التاريخ بوصفه أول ألبوم لفنانة بريطانية يتصدر قائمة الألبومات في المملكة المتحدة، كما نالت تايلور ترشيحاً لجائزة غرامي في فئة أفضل أداء غنائي نسائي في موسيقى الروك.

وساهم الفيديو المصور للأغنية في ترسيخ شهرتها، بالتزامن مع الصعود المبكر لقناة MTV.

وبعد عام، أصدرت أغنية Holding Out for a Hero (أنتظر بطلاً)، التي استخدمت في فيلم Footloose (فوتلوس).

وهكذا أصبحت تايلور من أبرز أصوات الأغنية العاطفية الصاخبة Power Ballad، وهي أغنيات عاطفية تجمع بين اللحن الرومانسي والإنتاج الصاخب المتأثر بموسيقى الروك.

لماذا وصلت أغنياتها إلى المستمع العربي؟

بوني تايلورعام 1992.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، المغنية الويلزية بوني تايلور في صورة من عام 1992.

لم تبن بوني تايلور حضورها في المنطقة العربية عبر جولات منتظمة أو تعاونات مع موسيقيين عرب، كما لا تتوافر سجلات موحدة يمكن الاعتماد عليها لقياس مبيعات أعمالها تاريخياً في الدول العربية.

لكن أغنياتها وجدت طريقها إلى الجمهور العربي عبر الوسائط التي شكلت علاقة المنطقة بالموسيقى الغربية منذ الثمانينيات والتسعينيات: محطات الإذاعة الناطقة بالإنجليزية والفرنسية، وأشرطة الكاسيت، والقنوات الموسيقية الفضائية، والأفلام الأجنبية، ثم برامج اكتشاف المواهب ومنصات الفيديو والاستماع.

وساعدت طبيعة موسيقاها على عبورها بين الثقافات، حتى لدى مستمعين لا يفهمون كلمات الأغنيات كاملة.

فأعمالها تقوم على مشاعر واضحة ومباشرة، مثل القلب المكسور والحبيب الغائب وانتظار الخلاص والبحث عن بطل. وهي موضوعات حاضرة بقوة أيضاً في الأغنية العربية العاطفية.

كما يقترب أداؤها الدرامي، من حيث منحه الصوت والانفعال مساحة واسعة، من بعض تقاليد الطرب العربي، وإن اختلف الأسلوب الموسيقي. وكانت تؤدي أغنياتها كما لو أن مصيراً كاملاً يتوقف على الجملة الأخيرة.

لهذا تجاوز حضور Total Eclipse of the Heart (كسوف كلي للقلب) زمن صدورها عام 1983. وظلت الأغنية حاضرة في حفلات الكاريوكي ومقاطع الإنترنت وبرامج الغناء والإعلانات والأفلام، ووصلت إلى جمهور عربي تعرف إليها أحياناً بعد سنوات طويلة من صدورها.

وساعدت عبارة Turn Around (استدر)، التي تتكرر في الأغنية، على رسوخها في الذاكرة حتى لدى من لم يحفظ بقية الكلمات.

ومع انتشار الإنترنت، عادت الأغنية إلى التداول كلما وقع كسوف للشمس، في تلاعب متكرر بين عنوانها والظاهرة الفلكية. وتجاوزت مليار استماع على منصة سبوتيفاي قبل وفاة تايلور، في مؤشر على انتقالها من ذاكرة جيل الثمانينيات إلى جمهور رقمي أصغر سناً.

نجاح لم يتكرر بالحجم نفسه

بوني تايلور على خشبة المسرح في مدريد عام 2024.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، حافظت بوني تايلور على حضورها الجماهيري وواصلت الغناء حتى سنواتها الأخيرة.

بعد منتصف الثمانينيات، لم تتمكن تايلور من تكرار النجاح التجاري الهائل الذي حققته Total Eclipse of the Heart (كسوف كلي للقلب)، وبدأ حضورها يتراجع في بريطانيا والولايات المتحدة مع تغير الأذواق الموسيقية.

لكنها واصلت مسيرتها، وحافظت على جمهور واسع في عدد من الدول الأوروبية، خصوصاً ألمانيا وفرنسا والدول الإسكندنافية، كما استمرت في إصدار الألبومات وإحياء الحفلات والتعاون مع فنانين آخرين.

وحصلت خلال مسيرتها على ثلاثة ترشيحات لجوائز غرامي وثلاثة ترشيحات لجوائز بريت، ومنحت وسام عضو في الإمبراطورية البريطانية تقديراً لخدماتها للموسيقى. كما نالت تكريمات عدة في ويلز، بينها دكتوراه فخرية من جامعة سوانزي.

واستمرت في تسجيل الموسيقى حتى سنواتها الأخيرة، وأصدرت عام 2021 ألبوم The Best Is Yet to Come (الأفضل لم يأت بعد).

تركت بوني تايلور بصمتها بصوت خشن لا يشبه غيره، وبأغنية كبرى عبرت عن الانكسار العاطفي بصورة حميمة وعالمية في آن.

وهكذا، ظل صوت ابنة عامل المناجم الويلزية يعبر اللغات والحدود، حاملاً قصة قلب انطفأ نوره، لكنه واصل الغناء.