You’re viewing a text-only version of this website that uses less data. View the main version of the website including all images and videos.
كيف تسرق المجتمعات الأفكار من نشطائها ثم تنسب الفضل لنفسها؟
بينما كنت أعكف على البحث عن مصادر استعين بها لكتابة هذه السطور، دارت بيني وبين زوجتي محادثة بسيطة، بدأت بطرحها السؤال التالي عليّ: "ما الذي تعكف على إنجازه اليوم؟"، فأجبتها قائلا: "أكتب مقالا عن `الذاكرة المراوغة`، وهو أحد المصطلحات المتخصصة في علم النفس".
عبست زوجتي، عندما سمعت إجابتي. عندها مِلتُ بجذعي إلى الأمام، وطفقت في الحديث معها بلهجة تعليمية وبشكل متعال قائلا: " `الذاكرة المراوغة` في الأساس مصطلح يصف الحالة التي يتصور فيها المرء أن شيئا ما، نسي من أخبره به أو أين قرأه، هو من بنات أفكاره. أما مقالي فيدور حول هذا الأمر، عندما يحدث على مستوى مجتمعي".
حينها قالت لي زوجتي: "لا يمكن أن تكون جادا، هل تمزح؟. لقد قلت لك من قبل عن هذا الموضوع".
كانت على حق. وهو ما يعني ببساطة أنني وقعت في الفخ نفسه، إذ أكتب مقالا يتناول فكرة عرفتها منها، ونسيت مصدرها. فهذه السطور، تدور على وجه التحديد، عن نوع من أنواع الاستيلاء على الأفكار. لكنني لا أكرسها لبحث مسألة حدوث هذا الأمر على المستوى الفردي، وإنما بنمط منه أكثر إشكالية، يرتبط بممارسته على نطاق أوسع، ويُعرف بـ "الذاكرة المجتمعية الخفية" أو بالأحرى "الذاكرة المجتمعية المراوغة". ويصف هذا المفهوم، فشل المجتمعات في أن تُرجع الفضل للقلة من بنيها، على صعيد الدور الذي اضطلعوا به في إحداث التغيير الاجتماعي.
وقد حلا لي أن أبدأ سطوري، بحالة توضيحية، ربما يروق لي أن أظن أيضا، أنني تذكرتها من تلقاء نفسي، لكن التفكير مليا في الأمر، يجعلني أخلص، إلى أنني انتبهت إليها بفضل شيء ما قرأته.
ففي تسعينيات القرن الماضي، اكتسب ناشط في مجال البيئة يُدعى دانييل مارك هوبر، كان يُعرف بـ "سوامبي"، سمعة سيئة في الأوساط الإعلامية البريطانية. فلفترة قصيرة، اشتهر هذا الرجل، ذو الشعر المجدول والأظافر التي تراكمت تحتها الأوساخ، بأسلوبه غريب الأطوار في الاحتجاج. إذ عاش تحت الأرض، داخل سلسلة أنفاق يُطلق عليها اسم "الأم الكبيرة"، كانت تُغْلِق وقتذاك مسارا، كان يُفترض أن يُشق عبره طريق جانبي، في مقاطعة ديفون.
وكان وجود سوامبي بمثابة نعمة من السماء للصحف البريطانية، التي لقبته بـ "الخلد البشري"، في إشارة إلى حيوان ثديي يحمل الاسم نفسه. بعض هذه الصحف كانت مفتونة به، بينما صب البعض الآخر منها، جام غضبه عليه، كما فعلت صحيفة "التايمز" مثلا، حينما شنت هجوما ضاريا على "الجحور الغريبة" التي يقطنها هذا الرجل، واعتبرت أنه يستخدمها في تنظيم احتجاجات، على شاكلة تلك التي كان يمكن أن ينظمها أهل الكهوف. كما اتهمته بالوقوف في طريق خطوات التقدم اللازمة والضرورية. بعد ذلك، ظهر سوامبي على شاشات التليفزيون، بل وعُرِض عليه إبرام تعاقد، يُسجل بمقتضاه هو وأقرانه النشطاء المؤمنون بأفكاره، أغنية تحمل اسم "خلد في الجحر". لكنه رفض هذا العرض.
وقتذاك كتبت باتريشيا ريني، الصحفية في وكالة رويترز للأنباء، تقول إن سوامبي كان يلاءم من أوجه عدة، الصورة النمطية السائدة لما يجب أن يكون عليه أي "محارب من أجل البيئة". فبحذائه ذي الرقبة الطويلة الملطخ بالأوحال، وسراويله البالية ومعطفه الرث الواقي من المطر ذي القلنسوة، كان أشبه بمشرد يعاني من الفقر المدقع.
اللافت أن ما كان يقوله سوامبي ويؤمن به في تلك الفترة، لا يتنافى البتة مع المنطق السائد بمعايير عصرنا الحالي. فكما قال لريني: "نحن مجرد أشخاص عاديين، نحاول حماية البيئة. لسنا فقراء أو أغنياء بالضرورة. الأمر يتمثل في احتشاد أشخاص من كل المشارب ليقولوا `كفى، لن نتعايش مع هذه الأضرار التي تلحق بالبيئة بعد الآن. لن نسمح بأن يلحق الدمار بكوكبنا`".
كما أن تأكيدات سوامبي على أن مشروعات البنية التحتية تلحق الدمار بالطبيعة، وأن إنشاء المطارات يفاقم مشكلة التغير المناخي، لم تعد تندرج في إطار "وجهات النظر الهامشية" في عالمنا اليوم. فبمرور الوقت، استوعب الجمهور الأوسع تلك الرؤى، حتى لو لم يستوعب الأفعال الاحتجاجية التي كان سوامبي يُقْدِم عليها. فأنا مثلا أعيش في ضاحية راقية بجنوب غربي لندن، يعارض الكثير من سكانها مقترحات إنشاء مدرج جديد في مطار هيثرو القريب منهم. رغم ذلك، أثق في أن غالبية هؤلاء السكان، لا يرون أن ثمة أوجه تشابه بينهم وبين سوامبي.
وينطبق ذلك أيضا على كبار صحفيي "التايمز"، ممن كانوا قساة للغاية في حكمهم على سوامبي، خلال تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يعودوا ليكتبوا في عام 2019 عن التغير المناخي قائلين إن "تكلفة الفشل في استنهاض فعل جماعي (للتعامل مع هذه المشكلة) سيكون محسوسا من جانب الجميع في نهاية المطاف. ليس لدى الأمم خيارات أخرى تقريبا، سوى التحرك على نحو فعال. ويتعين على دعاة الحفاظ على البيئة في كل مكان، اغتنام الفرصة وتبني الخيارات الصديقة للبيئة".
بطبيعة الحال، لم يكن سوامبي هو أول من نظم حملات تدعو إلى الحفاظ على البيئة، لكنه وآلافا آخرين مثله، غرسوا بذور التغير الاجتماعي على هذا الصعيد. لكن المثير في الأمر، يتمثل في كيف ينسى الناس أن يقروا بالفضل لأهله في هذا الشأن. فغالبا ما تحدث حالة نسيان على مستوى المجتمع ككل للمصدر الأصلي لفكرة ما، عندما تتحول من وجهة نظر يؤمن بها قلة من أبنائه، إلى رؤى يتبناها معظمهم وتشكل الاتجاه السائد بينهم. وهذا بالتحديد هو ما يُعرف بـ "الذاكرة المجتمعية المراوغة".
ويقول فابريتسيو بوتيرا، الباحث في جامعة لوزان السويسرية، بشأن مسألة مدى انتشار الآراء التي يؤمن بها القلة في مجتمع ما، إن هذه الظاهرة "تحدث دون وعي على المستوى الفردي. لكنها قد تصطبغ بطابع متعمد بشكل أكبر، حينما نشهدها على مستوى المجتمع".
مأساة تأثير الأقلية
بدت ظاهرة "الذاكرة المجتمعية المراوغة" للعيان للمرة الأولى، من خلال دراسة أُجريت أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وسُئِل أفراد العينة فيها عن توجهاتهم حيال موضوعات مثل؛ السلام والمساواة في الحقوق واحترام البيئة. ولم يكن من المفاجئ، أن تكشف النتائج عن أن لديهم نظرة إيجابية إزاء هذه المسائل. لكن نسبة دعمها تراجعت بشدة بينهم، عندما تم تذكيرهم – بالتزامن مع طرح الأسئلة عليهم – بأن قلة من الناس، مثل نشطاء حماية البيئة ومناهضة العنصرية أو دعاة السلام، كانوا هم أول من نادي بإعلاء قيم مثل هذه.
وخلال العقود التي تلت ذلك، كشفت الدراسات التي أُجريت بشأن "تأثير آراء الأقلية" على المجتمع، عن مزيد من الأدلة والبراهين التي تثبت أن المميزات التي ننعم بها اليوم، من قبيل احترام حقوق الإنسان ومجانية التعليم وحق المرأة في الانتخاب والحياة في ظل نظام ديمقراطي والحصول على رواتب تقاعدية وغيرها، ترسخت في حياتنا بعد كفاح خاضه قلة من الناس، لم يكونوا يتمتعون بالشعبية في البداية، ضد أغلبية لم تكن مقتنعة بآرائهم في ذلك الحين.
ويقول الباحث بوتيرا إن بوسع نفر قليل من الناس، إحداث تغيير كبير في المجتمع، عبر وسائل مثل التحرك الفعلي على الأرض وتنظيم احتجاجات وغيرهما، وذلك إذا كان لدى هؤلاء الأشخاص الرغبة في نشر رؤى تتعارض مع تلك التي تؤمن بها الأغلبية، وتمسكوا كذلك بمبادئهم في هذا الصدد. لكن الدراسات العلمية تشير لنا في الوقت نفسه، إلى أن إسهام هذه الثلة من الأشخاص، سيُنسى وكأن لم يكن.
وقد أجرى بوتيرا وزملاؤه مؤخرا دراسات تتناول تأثيرات "الذاكرة المجتمعية المراوغة"، على التوجهات السائدة في المجتمع إزاء حقوق المرأة. وقد اختيرت عينة نسائية خالصة لإحدى هذه الدراسات، وطُلِبَ من المبحوثات إبداء مدى اتفاقهن أو اختلافهن مع عبارات تتعلق بالمساواة بين الجنسين.
بالطبع، لن يكون مفاجئا أن نشير إلى أن الغالبية الساحقة من النساء اللائي خضعن للدراسة، أعربن عن دعمهن لأمور مثل المساواة في الراتب، وفي الحق في التصويت، وفي حرية أن يُطلِقن أنفسهن. لكن حماستهن فترت، عندما أُضيفت عبارة "وفقا لما تقترحه الحركات النسوية"، إلى كل عبارة طُلِبَ منهن إبداء آرائهن فيها، ما يشير إلى وجود تحيز مضمر لديهن، ضد هذه الحركات.
أدوات الهيمنة
لكن الجانب السلبي للغاية من هذه الظاهرة، يتمثل في أنها تتيح الفرصة للقوى المُهيمنة على المجتمع، للبقاء في وضعها هذا، وتسمح أيضا بتواصل التمييز الذي يُمارس ضد الأقليات. وإذا أردنا استخدام مصطلحات الباحثين في علم النفس، للحديث عن التأثير السلبي لتلك الظاهرة، سنقول إنها تمثل "أداة للهيمنة" تعزز استمرار الوضع القائم.
وفي أغلب الأحوال، تسقط الأقليات فريسة وضع إشكالي، تجد نفسها فيه مضطرة للخروج على الأعراف الثقافية الراسخة، من أجل نيل الاهتمام الإعلامي، والإيحاء بضخامة تأثيرها، رغم أن إقدامها على ذلك، قد يفضي لنبذها من جانب التيارات السائدة في المجتمع. ويقول بوتيرا إن "الوسيلة التي تجعل أبناء هذه الأقليات ظاهرين على السطح، تؤدي كذلك وفي الوقت نفسه، إلى جعل عامة الناس لا يرغبون في التماهي معهم. ورغم أن أفكارهم تؤخذ بعين الاعتبار، فإنهم يوضعون في نهاية المطاف على هامش المجتمع".
المفارقة أن السياقات نفسها التي قادت وسائل الإعلام البريطانية قبل عقود، إلى التهكم على سوامبي باعتباره شخصا هيبيا؛ فقط لتستولي على أفكاره لاحقا، يمكن أن تتكرر مع حركات معاصرة، مثل " تمرد ضد الانقراض" و"حياة السود مهمة". ومن بين المؤشرات على إمكانية حدوث ذلك، التركيز على طبيعة شخصية نشطاء مثل هذه الحركات - التي تمثل في الأساس شريحة محدودة من أفراد المجتمع – والأساليب التي تلجأ إليها، دون إيلاء الاهتمام لما تنادي به؛ كأن يُوصف نشطاء "تمرد ضد الانقراض"، بأنهم "متطرفون متسلطون"، أو أن يُشار إلى المشاركين في احتجاجات "حياة السود مهمة"، باعتبارهم "بلطجية ومجرمين".
لكن هذه الدراسات لم تخل من إيجابيات كذلك، إذ شرح بوتيرا للمبحوثين خلالها، فكرة "الذاكرة المجتمعية المراوغة"، قائلا: "لقد نسيتم أن هذه الحركات هي التي جعلت نيل تلك الحقوق أمرا ممكنا. وهذا شيء مجحف". وأوضح بوتيرا نتائج ذلك بالقول: "عندما جعلنا الناس يدركون حالة الانفصام هذه، تحسنت توجهاتهم، حيال التيارات التي تمثل آراء الأقليات في المجتمع".
ولذا، فمجرد قراءتك لهذه السطور، قد تجعل بمقدورك رصد ظاهرة "الذاكرة المجتمعية المراوغة"، على نحو أفضل وأيسر، حينما تراها تحدث أمامك.
أما بالنسبة لي، فأعكف الآن على التفكير بشكل أعمق في المصدر، الذي ربما أكون قد استمددت منه أفكاري ومعتقداتي. كما اعتزم أن أسجل وأوثق على نحو أدق وأفضل، ما ينجم عن تصرفاتي وأفكاري، من تأثيرات على الحياة اليومية. لكن المفارقة هنا أن القيام بذلك، ليس أمرا تفتق عنه ذهني بالقطع، وإنما من بنات أفكار زوجتي!
يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على BBC Future