التحرش الجنسي والفساد: لماذا يُقدم البعض على الإبلاغ عن الفاسدين والمتحرشين رغم المخاطر؟

روز ماكغوان

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، روز ماكغوان أقدمت على مجازفة شخصية كبيرة عندما أبلغت عن حوادث اعتداءات جنسية ارتكبت ضدها وضد ممثلات أخريات
Published

في فبراير/شباط من العام الماضي، صوت السيناتور ميت رومني من ولاية يوتا لإدانة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتهمة إساءة استخدام السلطة، ليصبح بذلك أول سيناتور يصوت ضد الرئيس الذي ينتمي لنفس حزبه في محاكمة تستهدف العزل من المنصب.

وأفصح اثنان من موظفي شركة ثيرانوس، إيريكا تشونغ وتيلار شولتز، عن قلقهما إزاء ممارسات معينة داخل الشركة، حتى مع معرفتهما أنهما قد يواجهان مصاعب شخصية ومهنية.

وتقدمت الممثلتان أشلي جاد، وروز ماكغوان للإبلاغ عن التحرش والاعتداء الجنسي ضد هارفي واينستين، رغم تهديداته لهما بتدمير حياتهما المهنية إذا أقدمتا على ذلك.

جميع هؤلاء المشار إليهم تحدوا السلوك السيء رغم مواجهة ضغوط هائلة عليهم لكي يبقوا صامتين. ومع أن التفاصيل المتعلقة بكل واحد منهم مختلفة عن الآخر، إلا إنهم جميعا يشتركون في الرغبة في اتخاذ إجراء أو القيام بخطوة عملية.

ويرغب أمثال هؤلاء - الذين يصفهم البعض بأنهم "ثوار أخلاقيون" - في الدفاع عن مبادئهم على الرغم من النتائج الاجتماعية السلبية المتوقعة مثل الاستنكار والنبذ الاجتماعي والنكسات المهنية.

وهؤلاء "الثوار" يتحدثون في جميع أنواع المواقف: يطلبون من المتحرش أن يتوقف عن فعله؛ ويواجهون صديقاً يستخدم إساءة عنصرية؛ ويبلغون عن زميل متورط في عمليات احتيال في شركاتهم.

ما الذي يعطي بعض الناس القدرة على تحدّي السلوك السيء حتى لو كان هناك ثمن لذلك؟

أولاً: يشعر الثوار الأخلاقيون بالرضا عن أنفسهم بشكل عام. ويميلون لتأمين احترام كبير للنفس وإلى الشعور بالثقة في أحكامهم وفيما يمتلكون من قيم وقدرات. كما أنهم يعتقدون أن وجهات نظرهم الخاصة متفوقة على آراء الآخرين ولهذا تقع عليهم مسؤولية اجتماعية ليشركوا الآخرين في هذه المعتقدات.

الثوار الأخلاقيون أيضاً أقل كبتاً من الآخرين من الناحية الاجتماعية. فهم لا يعيرون كبير اهتمام للشعور بالارتباك أو بالمرور بمواقف محرجة. وربما الأهم من ذلك كله، أنهم أقل قلقاً بكثير من مسألة عدم التوافق مع الجمهور، ولهذا عندما يتعين عليهم الاختيار بين الانضمام للجموع أو فعل الشيء الصواب، يختارون فِعل ما يرونه صواباً.

وتكشف الأبحاث في علم الأعصاب عن أن قدرة الناس على الوقوف في وجه التأثير الاجتماعي تعكسها الاختلافات التشريحية في الدماغ؛ فالناس الذين هم أكثر قلقاً بشأن توافقهم مع الجمهور يظهر شيء أكثر رمادية في جزء معين من دماغهم هو قشرة المدار الجبهي الجانبي.

لافتة

صدر الصورة، Reuters

التعليق على الصورة، يتمتع الثائر الأخلاقي بقدرة على اتخاذ إجراء أو تحرك لتصحيح الوضع الذي يراه خطأ

وتخلق هذه المنطقة، التي تقع خلف الحاجبين مباشرة، ذكريات للأحداث التي قادت إلى نتائج سلبية. وهي تساعد على إرشادك للابتعاد عن الأشياء التي تريد تجنبها في المرة القادمة، مثل أن تكون منبوذاً من جماعتك.

يُظهر الأشخاص الأكثر قلقاً إزاء التكيف مع جماعتهم نشاطاً أكبر من سواهم في دائرتين دماغيتين أخريين: إحداهما تستجيب للألم الاجتماعي كما هو الحال عند التعرض للنبذ، والأخرى التي تحاول تفهُّم أفكار الآخرين ومشاعرهم.

بمعنى آخر، أولئك الذين يشعرون باستياء عندما يُنبذون من جماعتهم يبذلون أقصى جهدهم ليتوافقوا مع الجموع.

ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة للثوار الأخلاقيين؟

بالنسبة للبعض، يعد الشعور بأنك مختلف عن الآخرين شعورا سيئا جدا، حتى على المستوى العصبي. وبالنسبة للبعض الآخر، قد لا يكون ذلك مهماً إلى هذه الدرجة، وهو ما يجعل من السهل عليهم أن يقفوا في وجه الضغوط الاجتماعية.

هذه الخصائص الشخصية تجعل من الصعب معرفة ما الذي يؤيده الثائر الأخلاقي، وما الذي يسعى إليه. إذ يمكنك مثلا أن تكون الصوت الوحيد المعارض للإجهاض في عائلتك الليبرالية جدا، أو المدافع الوحيد عن حقوق الإجهاض في عائلتك المحافظة جدا. وفي الحالتين، يتعلق الأمر بالتصدي للضغط الاجتماعي الرامي إلى إبقائك صامتا، وذلك الضغط يمكن أن ينطبق بالطبع على كل شيء.

ما الذي يجب أن يحدث لإيجاد ثائر أخلاقي؟

من المفيد أن نرى الشجاعة الأخلاقية تتجسد في الأفعال على الأرض. الكثير من نشطاء الحقوق المدنية الذين شاركوا في المسيرات والاعتصامات جنوبي الولايات المتحدة خلال الستينيات كان لهم آباء وأمهات أظهروا شجاعة أخلاقية وتفاعلا مدنيا، كما فعل الكثير من الألمان الذين أنقذوا عددا من اليهود أثناء الهولوكوست.

إن مراقبتك أناسا تكنّ لهم التقدير لأنهم يظهرون شجاعة أخلاقية من شأنه أن يحفّزك لكي تفعل نفس الشيء.

ميت رومني

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، السيناتور ميت رومني صنع التاريخ عندما صوت لصالح عزل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

الثائر الأخلاقي الناشئ بحاجة أيضا إلى الشعور بالتعاطف، وأن يتخيل العالم من وجهة نظر شخص آخر. ومن الأمور التي تساعد على ذلك قضاء وقت مع أناس من خلفيات مختلفة والتعرف إليهم.

طلاب المدارس الثانوية البيض الذين لهم علاقات أكثر مع أناس من مختلف المجموعات العرقية-في حيّهم، وفي المدرسة، وفي الفرق الرياضية-لديهم مستويات أعلى من التعاطف ويرون الناس من مختلف الأقليات بطرق أكثر إيجابية.

هؤلاء الطلاب أنفسهم من المرجح أكثر أن يقدموا على عمل ما إذا صدر عن أحد زملاء الدراسة إساءة عنصرية، كأن يقوموا بتحدي هذا الشخص مباشرةً، ودعم الضحية أو إبلاغ المعلم أو المعلمة. الأشخاص الأكثر تعاطفا هم أيضا أكثر ميلا إلى الدفاع عن شخصٍ ما يتعرض للتحرش.

وختاما، يحتاج الثوار الأخلاقيون إلى مهارات معينة والتدرب على استخدامها. فقد توصلت إحدى الدراسات إلى أن المراهقين الذين استخدموا مهاراتهم عند النقاش مع أمهاتهم، باستخدام الحجج المعللة بدلاً من التذمر والتأفف أو الضغط أو الشتائم، كانوا الأكثر مقاومة لإغواء الأقران للإقبال على تعاطي المخدرات أو شرب الكحول في وقت لاحق. لماذا؟

لأن الأشخاص الذين تمرّسوا على الدفاع عن آرائهم المنطقية والتمسك بها تحت الضغط هم أفضل قدرة على استخدام نفس الوسائل مع أقرانهم.

ومن الواضح أن الثوار الأخلاقيين يمتلكون مواصفات شخصية معينة تمكنهم من مساندة ما يرونه صواباً. ولكن ماذا عن البقية منا؟ هل محكوم علينا أن نكون أولئك المارة الصامتين الذين يقفون بشكل مسالم ووديع ولا يجرؤون على تحدّي السلوك السيء؟

لحسن الحظ لا. فمن الممكن تطوير القدرة على مواجهة الضغط الاجتماعي. بكلمات أخرى، إن بإمكان أي شخص أن يتعلم ليكون ثائرا أخلاقياً.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future.