You’re viewing a text-only version of this website that uses less data. View the main version of the website including all images and videos.
"استفزاز العقل العربي" و "كارثة اليمين المتطرف المُعوْلمة"
- Author, نورالدين زورقي
- Role, لندن
- Published
كلما تأملت حال خريطة الرقعة الجغرافية الممتدة بين المحيط والخليج، لست أرى سوى المعاناة من صنوف، أمقتها اشد المقت، من الاضطراب والغليان والتشاحن بسبب موزاييك العناصر العرقية والمذهبية والسياسية التي تفعل فعلها في وعي الناس ومواقفهم وتصرفاتهم.
وفي المغرب انخرط ساسة ومثقفون وأناس مؤثرون في الرأي العام، في نقاش وجدل لا يتوقف منذ سنوات حول الهوية المغربية بجميع مقوماتها وعناصرها وسبل تفعيلها، ويقولون إنهم ينشدون بذلك الاستقرار واكتمال الوعي والنضج الديموقراطي, ولكن أهناك مآرب أخرى؟
من هؤلاء أحمد عصيد المفكر والناشط الحقوقي والسياسي، وضيف برنامج بلا قيود على تلفزيون بي بي سي عربي، فهو يخوض منتقدا في كل الملفات الثقيلة المرتبطة بالدين والدولة والهوية بدءا بالإسلام السياسي والقضية الأمازيغية والمؤسسة الملكية فملف الحقوق والحريات ومنها حرية المعتقد وهلم جرّا.
درس عصيد الفلسفة وعمل بالتدريس ويملك ناصية النقاش حد الجدل والسجال، يستخدم الإعلام الجديد ويعرف أدواته، ويتناول في سلسلة من "محاضرات التنوير" على صفحته على فيسبوك، قائمة تكاد لا تنتهي من قضايا الإسلام والمسلمين الجدلية الراهنة، يبدو من خلالها، حسب رأي خصومه، متحاملا على الإسلام والثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي لمجرد التحامل والإثارة.
يملك الرجل جرأة غير عادية عندما يتصدى "للمساواة في الميراث باعتبارها حاجة ملحة" ويدعو لإقرار الزواج والدفن المدني، ويتساءل عما إذا كان "رمضان عبادة أم نظاما قهريا" و "لماذا يتسابق المسلمون على بناء المساجد" لا بل إنه لم يسلم من نقده حتى "المسلمون في السياق الغربي".
يتحدث أحمد عصيد في بلا قيود بنبرة في منتهى الهدوء بكلام كله ألغام، وأيضا بجرأة غير عادية، ولابد أنه استعد لكل احتمالات الأسئلة بالنظر إلى أن اللقاء تأجل لبعض الوقت، ويرد وهو العلماني، على من يتهمونه بالتحامل على الإسلام، بالقول إنه لا يتحدث أبدا عن الإسلام كعقيدة بل عن تجربة تاريخية للمسلمين؛ وعندما سألته عن سبب هذا "التحامل" لم يرد بصيغة المتكلم المفرد، بل بصيغة الجمع المبهم:
"هي محاولة لاستفزاز العقل العربي في شمال أفريقيا والشرق الأوسط لدفع الناس للتفكير وخلخلة واقع راكد لا يريد التصدي للأسئلة والقضايا الصعبة والشائكة."
"عطب العقل الإسلامي"
عصيد واحد من فئة من النشطاء والكتاب في المنطقة يردون سبب الإخفاق في النهضة بالمجتمعات الإسلامية في العصر الحديث إلى أن المسلمين خاضوا تجاربهم السياسية باسم الدين واستعملوه في السيطرة على المجتمع مما أدى إلى وضع "التخلف هو التيار الغالب فيه".
وبالنسبة للمغرب كان يتعيّن في رأيه أن يتم منذ فجر الاستقلال في مطلع ستينيات القرن العشرين التركيز على إنهاء "التداخل بين المفاهيم الفقهية القديمة وبين الفكرة الديمقراطية" في إشارة إلى أن رأس الدولة في المغرب، وهو الملك، هو أيضا أمير المؤمنين. ما العملُ إذن؟
وصفة الحل في نظر عصيد أن يركز الفقه الإسلامي من الآن فصاعدا على الإنسان لا على النص الديني، لأن الإصرار على هذه المقاربة هو سبب "عطب العقل الإسلامي"
ما لا يملك عصيد ردّا منطقيا عليه هو أن حال شعوب المنطقة لم يكن أحسن حالا قبل الثورة الإيرانية و"تسلل الإخوانية والوهابية إلى المدارس مطلع الثمانينات " على حد قوله:
"الأنظمة السياسية عسكرية كانت أو فردية أو أوليغارشية أو ملكية تستعمل الدين لتبرير وجودها والسيطرة على الفرد المواطن وتقييده، ولا تفهم أنه الأمر يتعلق بعقد اجتماعي يجب أن يقوم بين الساسة والشعوب"
وضع الحقوق والحريات في مغرب ما بعد "الربيع العربي"
يشتكي ضيفنا مرّ الشكوى من "وضع الحاكم والرعيّة" الذي يعتبره خللا في العلاقة التي يجب أن تكون بين المواطن من جهة والسياسي أو الدولة من جهة ثانية، ويريد وضعا يبدو بعيد المنال، الآن على الأقل، يقوم على تجديد التعاقد بين الطرفين على أساس مدني تنبع فيه السيادة من الشعب وتحكمه مبادئ فصل السلطات وسمو سلطة القانون واحترام الحريات جميعا والمساواة بين الجنسين، وفصل الدين عن الدولة.
ولكن ألا يحدث ذلك في المغرب الآن، ومنذ 2011 ؟
حسب رأي أحمد عصيد تعود "السلطوية" في المغرب بشكل سافر منذ 2014، وحسب رأي بعض المغاربة فإن قوس الديموقراطية الذي انفتح مع التعديلات الدستورية لعام 2011 أُغلق الآن، خاصة بعد استعصاء او "بْلُوكَاجْ" تشكيل الحكومة الثانية لحزب العدالة والتنمية، لكن أحمد عصيد الذي يمضي في الحديث بصراحة عن أعراض السلطوية واستهداف الحقوقيين والصحفيين واستهداف الديمقراطية، ليس لديه ذرة من التعاطف مع الحزب الفائز بأكبر عدد من المقاعد في البرلمان.
ومع ذلك فلست أدري كيف أصف تحليل الرجل الذي يريد استفزاز العقول عندما يقول إن حزب العدالة والتنمية "ذا الأيديولوجيا الإخوانية حاول زعيمه (عبد الإله بنكيران) إضعاف المؤسسة الملكية." لكن إذا نحن سُقنا قوله باستحالة الديموقراطية بأحزاب تستخدم الدين فربما انتفت الحيرة والعجب، فهناك من يصنفه "ضمن كورال من الأصوات تستخدمها السلطة والحكم لتقويض الإسلام السياسي والتصدّي لنفوذه حيثما بدأ يتعاظم"
الهوية المغربية والقضية الأمازيغية
ومع ذلك لم يجد ضيفي غضاضة في الدفاع عن "الإسلام الأمازيغي" أو "إسلام الشعب" الذي كان " فقهاؤه قادرين على الملائمة بين النصوص الدينية وثقافة الأمة وحاجياتها في اجتهاد حقيقي" بل إنه لا يتورع عن مهاجمة المجلس العلمي الأعلى في المغرب، ويرأسه الجالس على عرش البلاد، متهما إياه بأنه مجلس يجسد التشدد الرسمي، ويقول "عندما استُفتي هذا المجلس عن حرية المُعتقد، رد علماؤه قائلين: من بدّل دينه فاقتلوه."
في رأي أحمد عصيد فإن نكبة مكوّن الأمازيغية في الهوية المغربية، سببُها الطريقة التي أقيمت عليها الدولة المركزية في المغرب في العصر الحديث، خاصة مع بداية حقبة الحماية والاستعمار الفرنسي في شمال أفريقيا على أساس ما يراه عصيد "أحادية العنصر" وإقصاء عناصر وعوامل التنوع باعتبارها "عناصر تهدد وحدة وقوة الدولة" وبالتالي تفقير شعوب المنطقة من مقومات هويتها واختزالها في العروبة والإسلام، التي يراها هو نماذج من "أيديولوجيات تأحيدية واختزالية"، فالعروبة في نظره تحولت إلى أيديولوجيا اضطهاد.
لا يُعرّف أحمد عصيد نفسه كمثقف أو حتى كناشط امازيغي فتلك عنده "كليشيهات الإعلام" وهو لا يبحث عن الإثارة لمجرد الإثارة بآرائه القوية في هذا الباب، بل يتحدث بقوة أشد عن التهميش والإقصاء المطلق للمقومات الأمازيغية في الهوية المغربية قبل عام 2001، ثم كيف أن عملية مأسسة هذه المقومات أضحت عملية معاقة تعترضها العراقيل من كل لون رغم "عودة الأمازيغية إلى المدرسة"، أما دسترة هذه المقومات التي تمت في تعديلات 2011 فلا تزال في رأيه حبرا على ورق.
يمين الغرب المتطرف واليمين الإسلامي المتطرف ونبوءة الكارثة المعولمة
"في عام 1994 تنبأت بأن إسلام العرب أو إسلام البترول سينتج كارثة معلومة وهذا ما حدث" يقول عصيد بكل شجاعة، ويهاجم غالبية المهاجرين المسلمين في السياق الغربي متهما إياهم بتبنّي "إسلام وهابي إخواني مُعوْلم أخذوا به من المساجد وقنوات التطرف والإعلام المتشدد، ولا يمت بصلة للتقاليد الإسلامية التي نشأوا عليها في أوطانهم"
ويمضي عصيد مخاطبا المهاجرين المغاربة بأنهم " تبنوا طيلة الثمانينات و التسعينات إسلاما يعوق اندماجهم في البلدان المضيفة ويتعارض مع قيمها"
لكنها انتقادات تبدو لخصومه متحاملة تستهدف الجالية المسلمة لتمسكها بمقومات هويتها في المجتمع الأوروبي بينما يريد عصيد منها انصهارا كاملا يذيب هويتها لا اندماجا إيجابيا يجعل المهاجرين جزءا لا يتجزأ من مجتمعاتهم التي بنوا فيها حياتهم."
ويدرك أحمد عصيد وزن حجج خصومه، ويتجاوز تماما حديث الإسلاموفوبيا إلى القول بنبوءة أخرى أشد إثارة هذه المرة، "اليمين المتطرف في الغرب واليمين الإسلامي المتطرف عندنا سيؤديان بعدم تقبلهما للآخر وكراهيتهما للاختلاف إلى حرب مُعولمة".
برنامج بلا قيود يبث يوم الأحد الساعة الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي عربي ويعاد على مدار الاسبوع.