حسمت زيارة سمير الخطيب إلى الفتوى اللبنانية، مسألة تكليفه بتشكيل
الحكومة الجديدة.
وخرج الخطيب بعد لقائه مفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان، ناقلاً
عنه موقف دار الفتوى الداعم لتكليف الرئيس سعد الحريري. فاعتذر الخطيب عن قبول
التكليف، وأثار ذلك تساؤلات حول إن كان أحد، غير الحريري، سيجرؤ على القبول بتشكيل
الحكومة بعد صدور موقف دار الفتوى.
نظام الحكم في لبنان، نظام محاصصة طائفية، حدّد شكله ما يسمى
بـ "الميثاق الوطني"، وهو اتفاق غير مكتوب، صدرعام 1934، خلال الاستقلال عن
الانتداب الفرنسي. يقضي بأن
يكون رئيس الجمهورية مسيحياً مارونياً، ورئيس الحكومة مسلماً سنّياً ورئيس مجلس
النواب مسلماً شيعياً.
وفي عام 1989
كرّس اتفاق الطائف الذي وضع حدّاً للحرب الأهلية، هذا التقسيم للمناصب
العليا بين الطوائف الثلاث الرئيسية في لبنان.
لكل طائفة في لبنان، مجلس روحي أو مؤسسة رسمية ترعى مصالحها وشؤونها.
ومعنى أن يكون المنصب الرسمي من نصيب طائفة ما، هو أن يفوز بالمنصب من تعتبره
الطائفة ممثلاً لها.
وقد سبق وكرّست الحرب الأهلية مفهوم الحزب أو الزعيم الأقوى في
طائفته، بحسب ما تم تصنيفه "انتصاراً" أو فرضاً للسيطرة من قبل هذا
الحزب أو ذاك الزعيم خلال الحرب.
فالمرجعيات الدينية هي من تحدد من هو الأقوى في طائفته أو من هو
الأكثر تمثيلا للطائفة. مع العلم أن بعض رؤساء الأحزاب أو بعض الزعماء السياسيين
في لبنان يساهمون بدرجة كبيرة في اختيار وتعيين رأس المرجعية.
فشيخ عقل طائفة
الموحدين الدروز اليوم محسوب على زعيم الطائفة، وليد جنبلاط. والرجل الأول في
المجلس الشيعي الأعلى هو نائب رئيس المجلس (بقي منصب رئيس المجلس من نصيب مؤسسه
السيد موسى الصدر المفقود أثره منذ عام 1978). المفتي الشيخ عبد
الأمير قبلان، وهو محسوب على رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يترأس أيضاً حركة
أمل الشيعية. كما أن مفتي الجمهورية الحالي، أي رأس مرجعية الطائفة السنية محسوب
أيضاً على سعد الحريري.
لذا يبدو أنه لا يمكن تفادي تدخل المرجعيات الرسمية الدينية طالما يطبق هذا
النظام في لبنان. وزيارة الخطيب لدار الفتوى أمس دليل واضح على مدى تأثير هذه المرجعيات في الحياة
السياسية اللبنانية.
وفي نماذج سابقة لم يتمكن رئيس الحكومة فؤاد السنيورة عام 2006 من استبدال الوزراء الشيعة
بعد استقالتهم بسبب الكلام عن قوة أو حيثية تمثيلهم داخل الطائفة وبسبب عدم موافقة
المرجعية على أسماء تدور خارج فلك الأحزاب الرئيسية في الطائفة.
واعتبر حينها فريق 8 آذار السياسي حكومة السنيورة غير ميثاقية إذ أنها لا تمثّل جميع الطوائف.
كذلك اعترض بطريرك الطائفة المارونية الراحل نصرالله صفيرعلى قانون
الانتخابات عام 2005، قائلاً عبارته الشهيرة
"فلينتخب المسلمون النواب المسلمين والمسيحيون النواب المسيحيين"، وذلك
تماشياً مع موقف الأحزاب المسيحية الأساسية الرافضة أيضاً لذاك القانون.
ومع بداية الاحتجاجات في 17 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ظهرت شعارات عديدة
تطالب بكفّ يد السلطات الدينية عن التعاطي في الشأن السياسي وبفصل الدين عن
الدولة. كما خرجت أصوات تطالب بإلغاء نظام المحاصصة الطائفية، وبالتأسيس لنظام علماني قائم على اعتماد الكفاءة في التعيينات وفي
إدارة شؤون البلاد.