عن رضوى ومنها..
- Author, رشا قنديل
- Role, لندن
- Published
قلما آثر ضيف آخرَ على نفسه عند الحديث والاسترسال فيه.. فلكلِّ أنا ظلُّها ولكل ذات محور.. كلما نظرت في عينيّ ضيف يُطنب ويسهب في موضوعية الحديث، لمحت انعكاسا لأناهُ المحورية في ثنايا عباراته، ومفرداته وحتى في رنين تلفظه بالحروف والعبارات، الظاهر منها والمستتر..
طورت قدرة على استشفاف البشر ورؤية بعض ما بداخلهم.. أقول بعضا منه لانعدام قدرتي البشرية على الاقتراب أكثر من اللازم أو اقتحام ما وراء نفس الآخر.. لكنني أظن أن قدرةً لديّ على سبر الأغوار أصقلتها الخبرة وروتها التجارب..
فلما كان الحوار مع الأدباء في ضيافتي، ازداد العمق غورا واتسعت مسطحات التواصل.. ففي نفسي نقطة للضعف تهفو للأدب.. منذ كانت أصابعي أدق من اقلامي الرصاص.. وحكاياتي الساذجة مستظلةً بالكتب السميكة ذات الأغلفة النبيذية الموحدة التجليد وبادئتا حروف اسم أبي أ. ق تزين أطرافها وتشي باهتمام صاحبها فوق الاعتيادي بمسلسلات الكتب، خاصة الأمهات منها..
تماهى افتتاني بأدب الكبار مع إذاعة أمي الأثيرة "أم كلثوم" عصر الخامسة من كل يوم، والشاي الأحمر الرائق مع حروف الشعر والأدب وكتب التاريخ والحضارة والعمارة، وطبعا افتتاني الخفي المستتر بكتب القانون، التي احتلت رفا كبيرا لا يُمس في مكتبة "الأستاذ"، أبي المحامي صاحب المرافعات الباهرة والمذكرات المنمقة.. كان لون الحبر في أوراقه شديد السواد رفيعا.. وخطه واثق ثابت ثبات الحق الذي أفنى عمره يبحث عنه..
بعد الثامنة في سنوات عمري الأربعين، سكنت الأرواح مذياع أمي الأثير، الذي طالما داعبتها أنها تفضله علي.. إذ كان يكبرني بعامين وظل رفيقها حتى فارقت هي رفقة دنيانا قبل ثلاث سنوات... لما زرت حجرتها رأيته ساكنا حزينا.. غادرته أرواح الأدباء والشعراء والمؤلفين أصحاب الرؤية والبصيرة واللغة المصقلة المزدانة على أثير البرنامج العام والإذاعات الثقافية والبرنامج الأوروبي.. وغيرها من طاقات النور والمعرفة التي من غير قصد فتحتها لي... وشربْتهُا عل مهل لما عملت في الإذاعة المصرية كالقهوة بحب الهان والمستكة وجوزة الطيب.. اختلطت رائحة مجلدات أبي ب "قطوف الأدب من كلام العرب" و "قال الفيلسوف" وصوت "الست" مصرا راسخا صادحة "أنا لن أعود إليه" "أعطني حريتي" و "أقول لقلبي حلمك عليه" في إذاعة قالوا لنا صغارا إنها بديل تُبث منه الأخبار في ظرف الطوارئ.
ظلت نقطة ضعفي للأدب بؤرة رقيقة تحت الصدع المشقوق برأس التوتر المدبب وإيقاع مهنتي المجنون.. فكلما اقترحت أو اقتُرح علي ضيف يبرز من بين المبدعين لمعت عيناي وخفق قلبي.. واعتكفت على الأقل ليلة أدرس لهذا الضيف وأستذكر.. أقلب محتويات غرفة دماغه وأغادرها بسعادة طفلة ماكرة تمكنت من قلب خزانة أبويها.. أنفخ قويا في أوراقه فأبعثرها وأرسم عليها وأظلل وأترك حرفيّ اسمي الأولين تذكارا ورسالة.. ر.ق. وأحد أقلام أبي المذهبة الثمينة.. وكأنني مع كل ضيف أشكر أبي وأتباهى أمامه بالشبه الفريد بيني وبينه تقريبا في كل شيء..
حاورت من الأدباء والشعراء النذر اليسير لكن لقامة كل منهم ظلا يطاول أشجار الجازورينا والاستركوليا اسيريفوليا الخضراء الحمراء حيث أطلت شرفة جدتي مستكينة إلى قصور القاهرة ومستظلة بورافتها.. أشعر بالجذل لانتصاب قامتي أمام ضيوفي العمالقة بعد أن كنت أشُبّ على أصابعي قدميّ لأرى ما فوق أكتافهم.. أشاكسهم وأحاور كل ما بكيانهم من نبض وألق وآلام.. أستفزهم، فينبت أمامي صبار عذاباتهم وورد أحلامهم، الرومانتيكي منه والمتجذر في صلابة الواقع.
في الجامعة قبل أكثر من عشرين عاما، أطل أستاذي الأثير هاني حلمي تلميذا نجيبا لرضوى.. تشرّب من أصالتها وصلادتها في آن عشق الأدب وسقانا من لدنها رحمة ومعرفة.. مرتي الأولى في حضرة رضوى عاشور كانت في مناقشة أستاذي رسالته للحصول على الدكتوراة بعد تتلمذه على يدي المارد العملاق إدوارد سعيد في الولايات المتحدة.. هاني.. الذي بات صديقي العتيد منذ ذلك الزمن ظل نبضا لروح رضوى في حياة تلاميذه وتلاميذها ومددا لرقتها وصلابة رأسها العنيد العبقري.. ومثله مئات التلاميذ والمريدين والأبناء والرفاق..
رجل واحد لا غير كان لها شريكا وونسا وسندا وندا.. وآثرها على ذاته حينما استشعرت نبضه في حوار لم تغادرنا فيه السياسة والأحداث وقبح الواقع ومساحاته المستنيرة. وكأنه استغيبها واستغيب سؤالي عنها لما بادأته بأسئلتي المشاكسة عن صفقة القرن وأدب المقاومة وأيام فلسطين وسياقها والقاهرة ما كانت وما أصبحت. ظلت عيناه الطفلتان تبحث عن سيرتها طوال الحوار.. وكأنه وِرد لازمٌ وذِكرٌ حتمي.. لا يستقيم له حوار من دونه ولا يطيب له حديث..
حين سألته عنها أضاء وجهه واضطرب، وبلغ الوصول والتماهي في روح رفيقته وصديقة عمره وأم ابنه مبتغاه.. وتغيرت نبرة صوته لتصل منتهى الرقة والشجن والفقد والافتقاد.. أنهيت الحديث بذكرها ولربما له كان مسك الختام.. ابتسم أخيرا ابتسامتها وكأن روحها حضرت.. وكأنني أرى في وجهه عينيها المتقدتين وابتسامة هاني أستاذي في الجامعة.. شاهدت رضوى "على نولها في مساءِ البلادْ..
وفي بالها أزرقٌ لهَبِيُّ الحوافِّ
وما يمزج البرتقال الغروبيّ
بالتركواز الكريمِ
وفي بالها وردةٌ تستطيع الكلامَ
عن الأرجوان الجريحِ
وفي بالها أبيضٌ أبيضٌ كحنان الضِّمادْ"
وكأنه وكأنني نستحضر الأستاذة.. ونقف احتراما لمعلمتي وأستاذة أستاذي.. نفتح الباب "لتدخل السيدة"..
ضيفي في بلا قيود هذا الأحد الأستاذ مريد البرغوثي الأديب والشاعر الفلسطيني، عن فلسطين والأراضي المحتلة، وصفقة القرن برؤية الأديب، ومصر وتجربته معها فردا وأسرة، وواقع الأدب الفلسطيني والمآخذ عليه.. عن أشباح مريد وممحاة أسرة البرغوثي السحرية، وأخيرا وعود على بدء... عن رضوى ومنها.
برنامج بلا قيود يبث يوم الأحد الساعة الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي عربي.























