مسيرة أحمد طالب الإبراهيمي من الحركة الوطنية إلى وزارة الخارجية الجزائرية

وزير الخارجية الجزائري الأسبق والمرشح للرئاسة أحمد طالب الإبراهيمي يلوّح لمناصريه في 6 أبريل/نيسان 1999 في مدينة البليدة، خلال حملته الانتخابية للانتخابات الرئاسية.

صدر الصورة، Getty Images

Published
مدة القراءة: 5 دقائق

توفي الدبلوماسي والسياسي الجزائري أحمد طالب الإبراهيمي، أحد أبرز الوجوه السياسية في مرحلة ما بعد الاستقلال، عن عمر ناهز 93 عاماً.

ووري جثمانه الثرى في العاصمة الجزائرية إلى جوار والده الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، أحد أعلام الفكر والإصلاح في البلاد وأحد مؤسسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

وبرحيله، تفقد الساحة السياسية الجزائرية شخصية لعبت دوراً مهماً في مرحلة ما بعد الاستقلال.

ولد الإبراهيمي في الخامس من يناير/كانون الثاني 1932 وسط أسرة محافظة في مدينة سطيف شرق الجزائر.

ولنسبه وزمن ولادته أثر كبير على مسيرته؛ فالجزائر كانت آنذاك خاضعة للاستعمار الفرنسي منذ عام 1830، وكانت فرنسا قد أحيت في عام 1930، قبل ولادة الإبراهيمي بعامين، الذكرى المئوية لاستعمار الجزائر.

وفي عام 1931، تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي سيكون لها تأثير كبير على حياته.

كان والده، الشيخ البشير الإبراهيمي، أحد أبرز رجال الدين المسلمين الذين قرروا الانخراط في العمل العام، فشارك في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين صحبة الشيخ عبد الحميد بن باديس، بهدف الحفاظ على القيم الإسلامية وإحياء الثقافة العربية.

واشتهر مسار أحمد طالب الإبراهيمي في شبابه بارتباطه الوثيق بوالده، الذي لعب دوراً بارزاً في مقاومة الاستعمار. كما كانت مواقف الأب السياسية سبباً في وضعه تحت الإقامة الجبرية في عهد الرئيس أحمد بن بلة، حتى وفاته عام 1965.

عاش أحمد طالب الإبراهيمي أغلب فترة طفولته في مدينة تلمسان بغرب الجزائر، حيث كان والده مسؤولاً عن نشاط الجمعية.

وبحسب ما يذكر الإبراهيمي في مذكراته "مذكرات جزائري"، فقد أقنع الشيخ عبد الحميد بن باديس الإبراهيمي الأب بتسجيل ابنه في مدرسة فرنسية، لأن اللغة الفرنسية "ستساعدنا في الكفاح".

لكن الإبراهيمي كان يتردد أيضاً على مدرسة "دار الحديث" القرآنية.

لاحقاً التحق الإبراهيمي بكلية الطب في جامعة الجزائر العاصمة، ليكون واحداً من بين الطلاب الجزائريين الذين يشكلون نسبة قليلة تبلغ نحو عشر إجمالي عدد الطلاب في الجامعة، وفق ما جاء في مذكراته.

وخلال فترة دراسته الجامعية، شارك في تحرير جريدة "الشاب المسلم" باللغة الفرنسية، التي كانت تهدف إلى مواجهة "الاغتراب الثقافي" لدى قطاع من الجزائريين.

وفي عام 1954، الذي شهد انطلاق ثورة التحرير الجزائرية، انتقل الإبراهيمي إلى باريس لإكمال دراسة الطب، حيث انخرط في النشاطات الطلابية الداعمة لاستقلال الجزائر.

أحمد طالب الإبراهيمي، وزير الخارجية الجزائري الأسبق في عهد الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، يحضر جنازة بن جديد في قصر الشعب في الجزائر العاصمة بتاريخ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2012.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، في انتخابات الرئاسة عام 1999، كان من أبرز المرشحين، لكنه انسحب مع آخرين
تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

وعن ثنائية الشرق والغرب في حياته، كتب الإبراهيمي في مذكراته:

"كنت دائماً أعتقد أن اللحاق بركب الغرب الذي يهيمن علينا، يتطلب منا اكتساب العلم والتقنية اللذين نفتقدهما، وبما أننا نعيش في عالم رسمت ملامحه تقنيات وأفكار وأنماط الغرب فإن وظيفة المثقف عندنا لا تتمثل في تقليد هذا النموذج ولكن في محاولة إدراك سر النجاح العلمي والاقتصادي والعسكري والسياسي الذي أحرزه الغربيون ثم مساعدة بني قومه حتى يلتحقوا بركب الحضارة".

وأضاف:

"وبالطريقة نفسها التي مهد بها بعض المستشرقين لاحتلال بلادنا، ينبغي لنا أن نعد جيشاً من المستغربين للإسهام في تحرير العالم الإسلامي، ومن ثم تطويره والرقي به، فهل سأكون واحداً من هؤلاء المستغربين؟".

وعن ميوله الفكرية في تلك المرحلة التي شكّلت أسساً لمسيرته في ما بعد، يقول الإبراهيمي إنه أعجب بكتابات المفكر الفرنسي ألبير كامو في الصحافة، لكنه انحاز إلى الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر إلى هذا الأخير بسبب مواقفه المناهضة للاستعمار.

ومع ذلك، رفض اعتبار الوجودية فلسفة إنسانية في مفهوم سارتر.

وكان التأثير الأعمق في شبابه للفيلسوف الفرنسي إيمانويل مونييه، إذ وجد في فلسفة "الشخصانية" ما يعبّر بصفاء عن قناعاته "حول الدين، والطابع الروحي للثورة، والحوار مع الشيوعيين، ورفض الانضمام إلى معسكر أنصار المال". ويقول إن هذا التأثّر بمونييه "ترسّخ فيه حتى أصبح جزءاً من تكوينه الفكري والروحي"، خصوصاً أنه تمكّن من قراءة أعماله الكاملة خلال سنوات السجن.

أودع الإبراهيمي في السجون الفرنسية في الفترة ما بين عامي 1957 و1961.

مناصرات لأحمد طالب الإبراهيمي، المرشح المستقل إلى رئاسة الجمهورية، يحملن ملصقاً انتخابياً في 10 أبريل/نيسان 1999 في مدينة عين الدفلى (غرب الجزائر).

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، قيادة الحزب الإسلامي المعارض "حركة مجتمع السلم"، قالت في رسالة تعزية، إن الإبراهيمي "كان رمزاً من رموز الفكر والسياسة والثقافة في الجزائر

وعن تجربة السجن يقول إن الحياة السجنية "جمعت بين الصرامة والانضباط والنقاشات الفكرية والسياسية، مدعومة بزيارات المحامين وقراءة الكتب العالمية". ويضيف أنه وبرغم الصعوبات، "ظل السجناء يحافظون على روح التضامن والأمل، معتبرين أن مصير الفرد يذوب أمام مصير الوطن".

بعد الإفراج عنه عام 1961، التحق بالعمل الدبلوماسي ضمن الحكومة الجزائرية المؤقتة، قبل أن يتولى مناصب وزارية بارزة بعد الاستقلال.

وشغل الإبراهيمي منصب وزير التربية (1965-1970)، ثم وزير الإعلام والثقافة (1970-1977)، ولاحقاً وزير الخارجية في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد (1982-1988).

وفي انتخابات الرئاسة عام 1999، كان من أبرز المرشحين، لكنه انسحب مع آخرين احتجاجاً على ما اعتبر "تزويراً وانحيازاً للمؤسسة العسكرية لصالح عبد العزيز بوتفليقة" الذي استمر في الحكم حتى إطاحته عام 2019 بفعل الحراك الشعبي.

وساند الإبراهيمي الحراك الشعبي المطالب بالديمقراطية، داعياً المؤسسة العسكرية إلى الحوار مع المتظاهرين، وقد حظي بمكانة رمزية داخل الحراك، حتى أن صورته رفعت في بعض المدن كرمز للمرحلة الانتقالية.

وقد سارع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى تعزية عائلته، وكتب في رسالته:

"يتوفى الدكتور المرحوم أحمد طالب الإبراهيمي، سليل بيت العلم والورع، وبرحيله تفقد الجزائر اسماً مذكوراً بحظوة ومكانة الشخصيات الوطنية ذات القدر المستحق والمكانة المرموقة... فلقد جمع الراحل خصال حكمة السياسي ورصانة المثقف ووطنية المناضل".

وكتبت قيادة الحزب الإسلامي المعارض "حركة مجتمع السلم"، في رسالة تعزية، أن الإبراهيمي "كان رمزاً من رموز الفكر والسياسة والثقافة في الجزائر، ومنارة علم وحكمة، كما ساهم في خدمة وطنه بكل تفانٍ وإخلاص، تجسدت فيه قيم الوطنية والعطاء التي ورثها عن والده محمد البشير الإبراهيمي".