كيف غيّرت انفجارات "البيجر" تاريخ إصابات العيون في الحروب؟

صدر الصورة، Getty Images
- Author, مروة جمال
- Role, بي بي سي نيوز عربي
- Published
- مدة القراءة: 6 دقائق
تنويه: الصور المستخدمة في هذا التقرير لا تعود إلى أيٍ من ضيوفه، نظراً لحساسية الموضوع.
"أبسط حقوق الإنسان أن يعيش بسلام داخل بيته، وأنا كنت في منزلي، أعيش بأمان وسلام، إلى أن قررت إسرائيل بضغطة زر واحدة سلب هذا الأمان"، هكذا استعادت الشابة اللبنانية سارة جفال شعورها في اليوم الذي لم ينتهِ منذ عامين بل امتد ليرسم ملامح حياتها ومستقبلها إلى الأبد.
تأتي الذكرى الثانية لانفجارات أجهزة "البيجر" في لبنان لتفتح ملفاً طبياً وإنسانياً غير مسبوق.
بحسب دراسة متخصصة أعدها فريق طبي في الجامعة الأمريكية في بيروت، ونشرتها المجلة البريطانية لطب العيون (BJO)، فإن إصابات العين كانت الأكثر شيوعاً وشدة جراء التفجيرات.
أوضحت الدراسة أن رفع المصابين لجهاز النداء الآلي، والنظر السريع نحو الشاشة عند سماع التنبيه، وضع العينين والوجه في مواجهة مباشرة للشظايا والضغط الانفجاري، ما تسبب في نسب قياسية غير مسبوقة من التهتك الكامل للعين والفقدان الدائم للإبصار.
وأظهرت البيانات المنشورة تسجيل حالات إصابة بصرية وجراحية حادة بين النساء ضمن العينة التي خضعت للجراحة في المركز الطبي للجامعة الأمريكية في بيروت، حيث شكلت الإناث نحو 4% من إجمالي الحالات التي خضعت للاستكشاف الجراحي نتيجة الانفجارات المتزامنة.
منذ ذلك الحين، تُلاحق سارة الشكوكُ حول أي أداة تكنولوجية أو تقنية ذكاء اصطناعي قد تدخل منزلها خشية أن تكون متفجرة، وبعدما فقدت إحدى عينيها وجزءاً من أطراف يدها تصر سارة بعد عامين على المضي قدماً لإكمال دراسة الماجستير وتحقيق طموحاتها، مشددة على أن التجربة علّمتها استشعار أصغر النعم اليومية التي يعيشها الإنسان كنعمة الأمان والبصر.
وقد مضت قائلة في تصريحات لبرنامج "يوميات الشرق الأوسط" المذاع عبر بي بي سي: ""نحن شو خصنا؟ نحن مدنيين".
رغم صعوبة حصر النسب الدقيقة للضحايا بين المدنيين والمقاتلين بشكل مستقل، تشير البيانات الطبية إلى أن غالبية المصابين في التفجيرات المتزامنة كانوا من الذكور البالغين. في الوقت نفسه، أكدت وزارة الصحة العامة اللبنانية أن التفجيرات أدت إلى مقتل 12 شخصاً من بينهم طفلان وإصابة نحو 2800 آخرين.
تتذكر سارة كيف ألقت الإصابة بظلالها على دراستها الجامعية التي تعتمد كلياً على "النظر والكمبيوتر"، وكيف خشيت ألّا تعود لرؤية عائلتها أو مواصلة تعليمها.
لكنها حين استعادت الرؤية بعين واحدة، اعتبرت ذلك نعمة كبرى وتعهدت لنفسها بألّا يسلبها الحادث ما قالت إنه أهم مما فقدته بالفعل، وهو "إرادتها".
وقالت: "العدو كان هدفه يكسرنا، هدفه يعزلنا، هدفه يمحونا، رغم إنه راحوا عيوني وراحوا أطراف يداي، قررت إني أقوم وأتعالج وأكمل لتحقيق أحلامي".
"جيبوا لي أهلي شوفهم قبل ما تطفي العين الثانية"

صدر الصورة، AFP via Getty Images
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
بيان طه، أُم من جنوب لبنان، وضعت أصغر أبنائها قبل شهر ونصف الشهر من تعرّضها لتفجير جهاز البيجر الخاص بزوجها، تروي تفاصيل ذلك اليوم الذي لا ينمحي من ذاكرتها حين بدأ جهاز البيجر يرن بشكل غير عادي وبشدة غير مألوفة، خلافاً لرناته الخفيفة المعتادة.
كان الجميع يتواجدون في محيط غرفة واحدة، ودون أدنى فضول لمعرفة السبب، بل بدافع الفزعة والتساؤل البسيط عن هذا الصوت المرتفع، حملت الجهاز بيديها واقتربت لتسأل زوجها عن سبب الرنة الغريبة: "شو بها جنّت؟".. وفي تلك اللحظة بالذات، وقع الانفجار.
في السكون الذي تلا التفجير، انطفأت عين بيان فوراً، واستحالت رؤيتها إلى ظلام لا يقطعه إلا مشهد الدماء الملطِخة لكتف ابنها محمد.
ساد الذعر في رأسها وتساءلت: "شو صار؟ وولادي.. وين ولادي؟! هدا الدم دم محمد؟!".
رغم الإصابة البالغة والنزيف، لم تفقد بيان وعيها؛ بل ظلت مستيقظة بالكامل، وحين نُقلت في السيارة كانت تمد يدها - التي لم يتبقَّ منها سوى أصبع ونصف - من شباك السيارة لتفتح الطريق في زحمة الذهول.
على مدار ثلاثة أيام في المستشفى، ركز الأطباء على إيقاف النزيف قبل التعامل المباشر مع عينيها.
عاشت بيان أياماً عصيبة تحت وطأة الخوف من ظلام تام، متمسكة بأمل رؤية أهلها من جديد: "جيبوا لي أهلي شوفهم قبل ما تطفي العين الثانية.. كان عندي هالإحساس إنه ممكن العين الثانية تطفي لأنه كان عم ينزل عليها دم".
وبعدما تأكد انطفاء عينها الأولى، عانت بيان من أزمة نفسية وتعب شديدين، لكنها تجاوزت المرارة بالحمد والشكر على ذلك البصيص، إذ تقول: "الحمد لله ضل عندي أمل إنه بعد عندي عين واحدة قادرة شوف أولادي فيها" .
واليوم، تواصل بيان ممارسة أمومتها كاملة، تجدل شعر ابنتها بما تبقّى في كف يدها من إصبع ونصف، فتسعد صغيرتها بهذا الاهتمام وتقول لصديقاتها بزهو وفخر ودلال: "الماما بتعمل لي كل شي.. الماما قادرة تهتم بكل تفاصيلي".
"أطفال الخامسة"

صدر الصورة، Fadel Itani/NurPhoto via Getty Images
لم تكن الأجساد الغضة للأطفال بعيدة عن هذه التكنولوجيا القاتلة.
كان معدل وشدة إصابات الوجه والعين لدى الأطفال أعلى بكثير مما هو عليه لدى البالغين، بحسب دراسة لجمعية طب الكوارث والصحة العامة، نشرتها جامعة كامبريدج، وثقت النمط الإكلينيكي الميداني للإصابات بين الفئات العمرية الصغيرة (من 5 إلى 11 عاماً). أظهرت النتائج أن إصابات الأطفال كانت بالغة في الوجه والعين واليد، مما تطلب تدخلات جراحية وترميمية معقدة في الساعات الأولى للحدث.
من بين هؤلاء الأطفال، برزت قصة علي عباس، الذي أتم عامه الرابع عشر بالتزامن مع ذكرى الانفجار. لم يعلم علي بضياع عينه وإصابتها الفادحة إلا بعد مرور نحو ثمانية أيام قضاها في المستشفى.
علي، الذي كان حبه الأول والأكبر تلاوة القرآن، وجد نفسه فجأة غير قادر على القراءة كسابق عهده بسبب ضعف النظر الشديد.
ومع ذلك، تمكّن من العودة إلى مدرسته معتمداً على حاسة السمع كبديل رئيسي عن البصر. ورغم أن رؤية أي جهاز يشبه البيجر تعيد إلى ذهنه تفاصيل يوم إصابته، إلا أنه لم يطور خوفاً مرضياً من الهواتف أو الأجهزة الإلكترونية بل يقبل على استخدامها قدر المستطاع، بحسب ما يقول.
يتطلع علي اليوم إلى المستقبل بعين الإصرار؛ فلكونه يعجز عن القراءة ويعتمد على الحفظ والسمع، اختار أن يوجّه طاقته نحو دراسة الطب النفسي.
وقال: "حسيت هالشغلة بتشبهني وبقدر فيد فيها المجتمع.. إني إسمع مشاكل الناس وهمومها ونتساعد على حلها".
وبينما يمارس علي حياته بين رفاقه الذين يلعب معهم كرة القدم، يظل طموحه الأساسي مواصلة التعلم والنجاح.

صدر الصورة، Houssam Shbaro/Anadolu via Getty Images
من الناحية الطبية، يوضح الدكتور علي شكر، استشاري زراعة القرنية وتجميل العين، أن خطورة انفجارات البيجر لم تكن في عدد المصابين فحسب، بل في طبيعة ونوعية الإصابة ذاتها، فقرب الجهاز المباشر من مستوى الوجه واليدين وجّه طاقة الانفجار والشظايا نحو أجزاء فائقة الحساسية.
ويشير الدكتور شكر إلى أن أصعب ما يواجه جرّاح العيون في هذه الحالات هو التعامل مع مرضى من الشباب، حيث يصبح الرهان الطبي معلّقاً على الساعات الأولى: "هل يمكن إنقاذ العين؟ هل يمكن إنقاذ أي قدر ممكن من الرؤية؟".
يؤكد الدكتور شكر أن المعالجة الجراحية مثّلت تحدياً غير مسبوق في هذا الحادث؛ فالأطباء لم يواجهوا جرحاً أحادياً، بل كانوا أمام إصابات مركّبة تشمل شظايا، وجروحاً عميقة في القرنية وبياض العين، وتلفاً في الجفون والوجه، فضلاً عن كونها إصابات ثنائية الجانب في حالات كثيرة.
وأظهرت المتابعات النسب المرتفعة لإصابات العين المفتوحة واستقرار الأجسام الغريبة داخل المقلة، ما تسبب في فقدان الرؤية جزئياً أو كلياً.
وأضاف: "نحن كأطباء عيون، اعتدنا أن نرى إصابات مثل إصابات العيون الناجمة عن الانفجارات، لكن ما واجهناه في البيجر كان نمطاً مختلفاً كلياً، الدراسات الطبية التي تابعت هذه الحالات أظهرت نسباً مرتفعةً من إصابات العين المفتوحة والأجسام الغريبة داخل العين والإصابات التي أدّت إلى فقدان الرؤية في عين واحدة أو في كلتا العينين".
بعيداً عن التشخيصات الطبية والمفاهيم الجراحية المعقدة، وجّه الدكتور علي شكر رسالة أخيرة لكل من يحمل أثر هذا الانفجار في جسده أو عينيه قائلاً: "أنتم لستم أرقاماً في تقارير طبية، بل قصص وحياة وأحلام توقفت للحظة، ولم تنتهِ".
وكانت إسرائيل قد أقرت لاحقاً بمسؤوليتها عن الهجوم، مؤكدةً أنها كانت تستهدف "مقاتلي حزب الله".
__________________
29 سبتمبر/ أيلول 2026: نقلت هذه المقالة سابقاً عن مجلة طب العيون البريطانية أن معظم ضحايا عملية البيجر كانوا من الأطفال والنساء وهو ما لم يرد في الدراسة وتم تعديل المقالة لتعكس ذلك وأضيفت مصادر جديدة للمقالة و أُدخلت عليها تعديلات تحريرية





























