You’re viewing a text-only version of this website that uses less data. View the main version of the website including all images and videos.
كيف استطاع اليابانيون تغيير نظرة العالم للمدن المزدحمة؟
- Author, ليندسي غالوي
- Role, بي بي سي
- Published
- مدة القراءة: 6 دقائق
ما الذي يجعل العيش في مدينة ما أسهل من غيرها؟ ناطحات السحاب، أم عوامل الجذب الشهيرة؟ الحقّ أنه لا شيء من ذلك؛ إنما هو إمكانية الوصول إلى العمل بدون سيارة، والتسوّق سيراً على الأقدام، وإمكانية ركوب القطارات لمَن يستخدمون كراسي متحركة دون مساعدة من أحد، والتنزّه بأمان على الأرصفة بالرُضّع في عرباتهم.
هذه هي الحال مع المدن في اليابان، وبحسب مؤشر جودة الحياة العالمي لعام 2026، الصادر عن وحدة استخبارات مجلة "الإيكونوميست" البريطانية، فإن مدينتَي أوساكا وطوكيو جاءتا في المركزَين السابع والعاشر ضمن أفضل عشر مدن حول العالم.
مؤشر جودة الحياة يعكس في مُجمله عدداً من المؤشرات الفرعية منها الصحة والتعليم والبنية التحتية؛ لكن مَن يزور المدن اليابانية يؤكد أن الاختلاف الحقيقي يتمثل في اختيار التصميم الذي يُسهّل الوصول للخدمات الحياتية ويجعل الأمور تسير بسلاسة.
جوش غريسدال، قعيدٌ يستخدم كرسياً متحركاً يستعين به على العيش في العاصمة طوكيو منذ 18عاماً، يقول إن "اليابان صُمّمت على نحو يناسب الجميع؛ نفس السلالم والمصاعد والساحات مُهيّأة لكل الناس بما في ذلك ذوو الاحتياجات الخاصة وكبار السن والآباء الذي يدفعون عربات تحمل أطفالهم الرُضّع والقادمون من المطار ومعهم حقائب سفر".
يدير غريسدال موقعاً عبر الإنترنت اسمه "أكسيسيبل جابان" وهوّ موجَّه للسائحين من ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يقصدون زيارة اليابان.
وبالنسبة للمهندس المعماري فرنسيس أغويلارد، الباحث في التصميم الحضري الياباني، فإن التفاصيل اليومية البسيطة عادة ما تكون ذات أثر كبير.
يقول أغويلارد إن "سهولة العيش تعني قلة المعاناة اليومية بالنسبة للإنسان العادي، فيما يتعلق بالوصول إلى مكان العمل أو المدرسة أو السوق أو المنتزه أو عيادة الطبيب أو منزل الصديق- دون الحاجة في أيّ من ذلك إلى الاعتماد على سيارة".
هذه هي الحال بالنسبة للكثيرين من سُكان اليابان الذين تحدّثنا إليهم، كما تحدّثنا إلى عدد من الخبراء للوقوف على أسرار وقواعد التصميم الحضري التي تجعل العيش في مدينة ما أمراً مُيسراً.
1. تصميم يلائم متطلبات الحياة اليومية
تدور معظم أحداث الحياة اليومية اليابانية في شوارع تصطف على جوانبها محال تجارية وشركات أعمال في الطوابق الأولى من البنايات في حين يسكن أصحاب هذه المحال والشركات في طوابق أعلى من البنايات نفسها.
ويجد المارّة بتلك البلاد في كل مجمع سكني صغير حانوتاً يبيع الخضروات ومقهى قديماً وعيادة طبيب ومطعم صغير، بحسب ما يقول جوش غريسدال.
أما باتريك ليدون، الأمريكي الذي انتقل للعيش في أوساكا، فيحكي كيف كان يروّعه مجرد التفكير في الذهاب إلى حانوت الخضروات في الولايات المتحدة، بخلاف الحال في المدينة اليابانية- حيث استبدل هو وزوجته سيارتيهما بالدراجات الهوائية للذهاب بها لشراء حاجاته من الخضروات.
ونظراً لصغر مساحات المساكن في المدينة اليابانية، فإن ما بها من مُبرّدات لحفظ الطعام تكون صغيرة الحجم أيضاً، ما أجبرهما على كثرة الذهاب إلى السوق.
ويقول ليدون أوساكا مؤلف سلسلة "المدينة الممكنة" المصورة والتي تتناول الحياة في اليابان وكوريا إن تجربته بالعيش فيها "جدُّ رائعة"، مشيراً إلى أن الخروج لشراء الخضروات تحوّل من "مهمة" إلى خبرة اجتماعية يومية توثّق العلاقات بينك وبين المكان الذي تسكنه- حيث الجميع من شيوخ وأطفال يتقابلون في نفس الشارع كل يوم".
وهو شيء يصعب استنساخه في كثير من المدن حول العالم. ويؤكد ليدون على أهمية تصميم الشوارع وفقاً لمقتضيات السكان اليومية، مشيراً إلى "روائح الشواء المنسربة إلى الشوارع، والحوانيت الصغيرة التي يديرها أصحاب البنايات، وسهولة الحركة والتنقل، والشعور بالأمان المجتمعي لكل الأعمار- كل هذه العوامل مجتمعة تصنع فارقاً من الصعب تجاوُزه".
وقد راعت جهات التصميم في الشوارع اليابانية أن تكون مناسِبة للبشر أكثر منها للمركبات، وفي ذلك يقول المعماري فرنسيس أغويلارد، إن "شوارع المدن في اليابان تبدو مِلكية مشتركة يتعايش فيها السائرون على أقدامهم مع راكبي الدراجات والمركبات الصغيرة- في نشاط أقرب إلى التناغم منه إلى النشاز والفوضى".
2. وسائل نقل مناسبة للجميع
تشتهر اليابان بأن أنظمة النقل فيها موضع ثقة وآمنة ونظيفة؛ وفي ذلك، تقول كيكو أوتا- مديرة العمليات الإقليمية لدى شركة "غي أدفنشرز"- إن هناك "شبكة نقل عامة مدهشة يمكن أن تأخذك إلى أي مكان".
وسكنت أوتا في العاصمة اليابانية طوكيو لأكثر من عشرة أعوام، وتقول: "ليس معي رخصة قيادة، لكنني لا أزال أشعر بحُرية تامة في الذهاب إلى أي مكان".
جوش غريسدال، بدورِه، يُثني على ذلك، مؤكداً أن أنظمة النقل العام في اليابان مريحة ولا يضطر المسافر معها إلى وضع خطة مسبقة كما هي الحال في بلاد أخرى.
يقول غريسدال: "في اليابان يمكنني (كقعيد) التوجه إلى أي محطة والذهاب إلى أي وجهة مستخدماً السكك الحديدية أو الحافلات في وقت انطلاق رحلة السفر وبدون إشعارات مسبقة، ونادراً ما تكون المصاعد خارج الخدمة، وحتى إذا كان مصعدٌ خارج الخدمة تكون هناك دائماً خطة بديلة؛ حيث يسارع العُمّال إلى إحضار (متسلِّق سلالم محمول) بدلاً من إخباري بعدم إمكانية ذلك".
شهادة غريسدال تعكس جهود عشرين عاماً من التطوير في اليابان إثر قانون صدر في 2006 يقضي بإزالة العوائق وتعزيز النقل السلِس لكبار السنّ وذوي الاحتياجات الخاصة.
وبحلول 2020، كانت تسعة أعشار محطات النقل العام عالية الكثافة قد تخلّصت من الحاجة إلى تسلق درجات السلالم، عبر تثبيت المصاعد في آلاف المحطات في أنحاء اليابان.
ونوّه غريسدال إلى أن الجهات المسؤولة في العاصمة طوكيو لا تزال تستمع وتستجيب لآراء المواطنين وتحفظاتهم على صعيد التعديلات.
ويشير غريسدال إلى عبور الأفكار اليابانية الخاصة بـ"تيسير الوصول" إلى خارج حدود البلاد، ومن ذلك فكرة تخصيص حارات ذات لون أصفر في الشوارع ومحطات القطارات للمُشاة من فاقدي البصر- وهي فكرة يابانية الأصل ولاقت انتشاراً حول العالم منذ عام 1967.
3. الحفاظ على روح المكان
رغم قطارات الطلقة اليابانية فائقة السرعة ورغم المراكز الحضرية المزدحمة، لا يزال اليابانيون يُقيمون وزناً لفضائل الصبر والاستمرارية واحترام التقاليد.
باتريك ليدون، الأمريكي الذي انتقل للعيش في أوساكا، يحكي كيف أن الموظف المسؤول عن التسجيل في المدينة سحب دفتراً ضخماً وقام بمحو اسم الساكن السابق وكتب مكانه اسم ليدون بالقلم الرصاص.
يقول ليدون إن هذا المشهد عصف برأسه؛ كونه يعلم مدى التقدّم العلمي الذي وصلت إليه اليابان.
ويستدرك ليدون قائلاً إن "اليابانيين لا يتركون الأنظمة القديمة لمجرّد أن تقنية جديدة ظهرت؛ وطالما كان النظام القائم يعمل بشكل موثوق، فإنهم لا يرون ضرورة لتغييره".
هذا التوجّه يتجلى كذلك في المناظر الطبيعية، ومن ذلك الحفاظ على أشجار عتيقة تتجاوز أعمارها مئات السنين في الشوارع بل وحتى في محطات القطار- ويجد روّاد محطة قطار كاياشيما قُرب أوساكا شجرة كافور عُمرها يناهز 700 عام منتصبةً في قلب المحطة.
يقول ليدون: "العيش في اليابان علّمني كيف يمكن معاملة الأشجار بوصفها أشياء تستحق البقاء لا المحو من الوجود"، وثمة فارق بين البناء على أنقاض مكان وبين تطوير هذا المكان.
حتى في أكثر أحياء اليابان ازدحاماً بالشركات، ستجد تناغماً وانسجاماً بين الأعمال اليومية وتصميم المدينة: حيث "ستشاهد أشخاصاً يهرولون خشية أن تفوتهم اجتماعات، وإذا التفتَّ يَسرة أو يَمنة ستجد مزاراً صغيراً قائماً منذ مئات السنين، أو قد تجد مطعماً صغيراً يعرف صاحبه الزبائن بأسمائهم، وفي ظل هذا الزحام ستسمع تغريد الطيور وستلحظ بعينيك تنقُّل ضوء النهار بين أغصان الأشجار ولن يفوتك الإحساس بأثر الفصول في الطبيعة"، بحسب ماساتو كومينامي- مدير عام أحد الفنادق الفاخرة بحيّ أكاسكا في طوكيو.
4. الحفاظ على آداب السلوك في المساحات المشتركة
بقي أن نقول إن تصميم البِنية التحتية لا يحكي سوى جزء من القصة؛ وإن الإنسان الذي يعيش في مدن اليابان يساهم أيضاً في تهيئة ظروف الازدهار.
في ذلك، يقول كومينامي: "طوكيو مزدحمة على نحو لا يصدّق، ومع ذلك فإن أهلها بطبْعهم يحرصون على تصرّفاتهم وأثر تلك التصرّفات على غيرهم، وهم لا يُكثرون الحديث عن ذلك- لأنه من سجاياهم".
جوش غريسدال يعتمد على هذا السلوك الجماعي التعاوني؛ وبعد نحو عشرين عاماً قضاها في اليابان، يثمّن غريسدال هذه السِمة في الشعب الياباني ويضعها إلى جانب الإنشاءات المادية التي تدشّنها الحكومة بهدف تحقيق مزيد من الازدهار.
يقول غريسدال: "السلوكيات لا تقلّ أهمية عن الإنشاءات- اصطفاف الناس في نظام على أرصفة المحطات، والحفاظ على الهدوء داخل القطارات، واحترام تخصيص المقاعد طبقاً للأولويات، والحفاظ على المساحات الشخصية من دون أن يُطلب ذلك- بما ييّسر العيش على الجميع في مدنٍ بهذه الأحجام وبهذا الزحام".
أما باتريك ليدون، الأمريكي، فيقول إن الكثير من عادات اليابانيين اليومية جعلته يؤمن أكثر بأنه جزء من شيء أكبر منه، و"إذا لم يكن هذا ترياق سِحري لكلّ أمراض العالم، فإنه على الأقل جعلني أكثر تعاطفاً مع الآخرين وأكثر ميلاً للجمال والسلام" على حدّ تعبيره.