"التشافي لا يكون إلا بالفن والموسيقى": أصالة نصري تعانق بلادها بعد 15 عاماً من الغياب

    • Author, مجدي القسوس
    • Role, بي بي سي عربي
  • Published
  • مدة القراءة: 4 دقائق

ليلة الخميس، وعلى خشبة مسرح الفيحاء في قلب دمشق صدح صوت أصالة معانقاً مدينته الأولى بعد غياب دام 15 عاماً، ليعلن عودة "أيقونة الشرق" إلى الشام التي لم تغب يوماً عن أغانيها ولا عن حنينها، بعدما أبعدتها سنوات الحرب.

أطلّت أصالة نصري على المسرح ولم تتمالك دموعها أمام التصفيق الجماهيري المهيب. وبصوتٍ امتزج فيه التأثر بالفرح، وقفت على مسرح الفيحاء لتفتتح الحفل بأغنية "ارفع راسك فوق.. إنت سوري حر"، وسط تفاعل واسع من الحضور الذين رددوا كلماتها.

وبعد الأغنية الأولى، قالت أصالة، إنها لا تزال غير مصدقة أنها تقف بين السوريين مجدداً بعد سنوات طويلة من الغياب، مؤكدة أن هذا اللقاء كان حلماً رافقها طويلاً وأنها دعت الله كثيراً ليأتي في مرحلة يسودها التعافي.

وأضافت: "والله العظيم، حتى هذه اللحظة ما زلت غير مصدقة أنني معكم"، مشيرة إلى أنها كانت تتمنى أن يجتمع السوريون في أجواء أكثر طمأنينة وأملاً.

ورأت "صوت سوريا الحر" أن الفن والموسيقى يشكّلان ركيزة أساسية في عملية التعافي، قائلة إن "التشافي لا يكون إلا بالفن والموسيقى، وباحترام الفن والموسيقى". وخاطبت جمهورها مؤكدة حجم اشتياقها لهم، ووعدتهم بأن تروي لهم خلال الأمسية الكثير من الحكايات التي اختزنتها سنوات الغياب، مضيفة: "اشتقت لكم كثيراً".

وشهدت الأمسية حضوراً لافتاً لعدد من نجوم الفن والثقافة والإعلام السوريين الذين حرصوا على مشاركة أصالة نصري لحظة عودتها التاريخية إلى دمشق، منهم جهاد عبدو، ووفاء موصلي، ويارا صبري، ونوار بلبل، وماهر صليبي، وعضو مجلس الشعب الممثلة روزينا لادقاني، وغيرهم.

وتوزّع الفنانون في الصفوف الأولى من مسرح الفيحاء في شارع الثورة، حيث بدت الأجواء أشبه باحتفال وطني وفني احتفى بابنة الشام بعد سنوات طويلة من الغياب.

وخلال الأمسية، قدّمت أصالة باقة من أشهر أغنياتها التي رافقت مسيرتها الفنية، إلى جانب عدد من أعمال ألبومها السوري الجديد، الذي خصّصت فيه أغنية تراثية لكل محافظة من المحافظات السورية الأربع عشرة.

وكرّم وزير الثقافة السوري محمد ياسين صالح، أصالة، قائلاً إن عودتها إلى دمشق تمثل "انتصاراً للمظلوم على الظالم"، معتبراً أن عودتها تجسد "الحرية التي طالما تغنينا بها". وأضاف أن أبواب وزارة الثقافة كانت وما زالت وستبقى مفتوحة أمام جميع ألوان الثقافة والإبداع، مؤكداً الترحيب بكل الفاعلين في المشهد الثقافي والفني السوري.

وعلى السجادة الحمراء، قال صالح، في تصريحات لوسائل إعلام سورية، مرحّباً بأصالة نصري: "أهلاً وسهلاً فيكي بالشام، وفرحانين برجعتك".

واعتبر أن عودتها تحمل دلالات تتجاوز البعد الفني، إذ تستحضر، بحسب وصفه، الأغنيات والشعارات التي رافقت البدايات الأولى "للثورة السورية المباركة"، مؤكداً أن الفن كان ولا يزال إحدى وسائل التواصل بين الشعوب.

وأضاف وزير الثقافة أن سوريا، بوصفها أرضاً ضاربة الجذور في تاريخ الموسيقى، تمتلك "هوية ثقافية تأبى أن تنطمس"، وأن السوريين يستحقون الفرح، معتبراً أن الحفل يشكل مناسبة للاحتفاء بهذه الهوية واستعادة جانب من الحياة الثقافية والفنية في البلاد.

وقبل أن تعتلي أصالة المسرح، استعاد الحفل عبر الشاشة العملاقة محطات ضمن بداياتها الفنية، من لقطات نادرة لحفلاتها الأولى ومقابلاتها التلفزيونية المبكرة، إلى مشاهد جمعتها بوالدها الموسيقار الراحل مصطفى نصري.

كما عُرضت مقاطع من الاحتجاجات التي رافقت الثورة السورية، تخللتها لقطات لأصالة وهي تؤكد في تصريح سابق أن "عندما تركت البلد كان في قلبي جزء من هذه الثورة". وتبع ذلك عرض مقتطفات من إطلالات سابقة أدّت خلالها موّالاً أهدته إلى الثورة السورية.

وتفاعل الجمهور بحماسة كبيرة مع أغنيات أصالة، إذ تحوّل المسرح في أكثر من محطة إلى جوقة غنائية جماعية رددت الكلمات عن ظهر قلب، فيما علت الهتافات والتصفيق بين الأغنية والأخرى.

أما على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد تصدّر وسم "عودة الأصالة" تفاعل السوريين والعرب، جامعاً بين الاحتفاء بمواقفها المعارضة لحكم الرئيس المعزول بشار الأسد والترحيب بعودتها إلى وطنها، وبين أصوات اعترضت على إقامة الحفل.

وكتب حساب على إكس باسم زياد أن "عودة الأصالة" هو "حفل تاريخي"، مضيفاً أن المناسبة تشكّل، من وجهة نظره، دليلاً على أن "الظلم له زمن، لكن الكرامة لا تملك تاريخ صلاحية".

وكتب الإعلامي إيلي أبو نجم من لبنان أن حفل عودة أصالة إلى دمشق تجاوز حدود المناسبة الفنية التقليدية، معتبراً أنه تحوّل إلى حدث حظي باهتمام إعلامي واسع داخل العالم العربي وخارجه. ورأى أن الحفل مثّل عودة "صوت سوريا الحر" إلى جمهورها، واصفاً أصالة بأنها واحدة من أبرز رموز الفن السوري حيث استعادت مكانها على مسارح بلادها بعد سنوات من الغياب.

وغرّد حساب من المغرب العربي معتبراً أن "استقبال السوريين لها اليوم ليس مجرد استقبال لفنانة، بل لحظة تختصر ذاكرة وطن وحنين سنوات".

وكتبت إحدى المستخدمات على "إكس" أن أصالة تمثل، بالنسبة لكثيرين من محبيها، نموذجاً للفنانة المرتبطة بمواقفها وقناعاتها، ووصفتها بأنها "بنت الشام صاحبة الموقف الحر"، معتبرة أن اسمها اقترن بما يحمله من معاني الأصالة والوفاء للماضي والحاضر.

أما سارة فقالت إنها ليست سورية، لكن فرحتها للشعب السوري كبيرة، متمنيةً لهم "سعادة تنسيهم الألم والحرب". واتفقت معها أميم، التي رأت أن مواقف الفنانين تجاه أوطانهم وقضايا شعوبهم تبقى جزءاً من إرثهم المعنوي والتاريخي، قائلة إنها لطالما عادت إلى سير الفنانين لتقرأ عن مواقفهم في المحطات المفصلية من حياة بلدانهم، معتبرة أن هذه المواقف تتحول مع مرور الزمن إلى جزء من تاريخهم ومصدر فخر لهم ولجمهورهم.

واستذكر آخرون صورها وهي تحمل علم "الثورة السورية" - العلم الحالي - عام 2012، معتبرين موقفها في تلك الفترة سبباً إضافياً للاحتفاء بها، ورأى أحد المعلقين أنها أعلنت انحيازها للمعارضة في وقتٍ كان فنانون آخرون يتجنبون الحديث عنها.

في المقابل، عبّر بعض المستخدمين عن آراء ناقدة للحفاوة الكبيرة التي رافقت عودة أصالة إلى دمشق.

وكتبت إحدى المستخدمات على منصة "إكس" أن الفنانة لم تعش معاناة مباشرة كالتي عاشها كثير من السوريين داخل البلاد، معتبرة أن مسيرتها خلال سنوات الحرب استمرت خارج سوريا حيث بنت حياتها الخاصة والفنية. ورأت أن حجم التأثر الذي أظهرته خلال الحفل لا ينسجم، من وجهة نظرها، مع ظروفها خلال فترة الغياب، في تعليق عكس جانباً من الأصوات التي انتقدت المبالغة في الاحتفاء بعودة الفنانة.

تنتمي أصالة نصري إلى جيلٍ عاصر سوريا في عهدَي الرئيس الراحل حافظ الأسد ونجله بشار الأسد. فقد انطلقت مسيرتها الفنية في ثمانينيات القرن الماضي، وكبرت فنياً بالتوازي مع التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها البلاد على مدى عقود.

وبينما صنعت شهرتها من دمشق إلى العالم العربي، بقيت حاضرة في المشهد الثقافي السوري إلى أن جاءت أحداث عام 2011، حين أعلنت موقفها الداعم لمطالب المحتجين والمعارضين للنظام السوري، لتدخل في مرحلة قطيعة طويلة مع بلدها استمرت نحو 15 عاماً، قبل أن تعود اليوم إلى العاصمة التي شهدت بداياتها الأولى.